فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 74

وأمر بأشياء كثيرة ربّما ليست في الأهمّيّة كبعض الفرائض، لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يقرّون بحسنها كمكارم الأخلاق مثلًا، بينما تأخّر فرض بعض أركان الإسلام إلى ما بعد الهجرة كالحجّ والصّوم.

فلِم لم تنزل الشّريعة دفعة واحدة على النّاس؟ إنّه مقتضى الرّحمة الإلهيّة لهذه الأمّة، فلم لا يرحم أحدنا نفسه؟.

صغّر ما صغّره الله وكبّر ما كبّره الله

لولا أنّ في ذلك فائدة ما قسّم الله الذّنوب إلى صغائر وكبائر، فالحكمة أنّ الصّغائر أمر يكثر في البشر فجعله الله رحمة بهم من الصّغائر وتُكفّر بالعبادات بل باجتناب الكبائر، وأمّا الكبائر فلا تمحوها إلاّ التّوبة لعظمها.

فلا يشغل طالب العلم أو الشّابّ نفسه بالعادة السّرّية مثلًا، حتّى قد يجرّه ذلك إلى الهجرة من بلده وعقوق والديه وترك كثير من الخير رغبة منه في عدم التّعرّض للفتنة، ثمّ هو أسهل ما عليه أن يقع في الغيبة؟.

ومع أنّ مسألة كبر الذّنب وصغره في عين الفاعل أمر يرجع إلى قوّة الإيمان، فإذا قوي الإيمان كبر عليه الذّنب وإذا ضعف صغر عليه، فهو أثر للإيمان، لا أنّ ذلك يفعله الفاعل نفسه، ولا أنّ ذلك راجع للفعل نفسه.

على أنّه من الحكمة أن لا يحمّل العبد نفسه همّ ذنب صغير أكبر من قدره، كما أنّه لا ينبغي أن يتساهل بذنب كبير ويتعامل معه أقلّ من قدره، بل ينظر لكلّ ذنب بحسب نظر الشّرع إليه.

فإذا كان الرّجل يقع في الزّنا مثلًا، ونفسه توّاقة إليه لا ترعوي إلاّ بأن يهاجر من بلده إلى بلد لا فتنة فيه أو تقلّ، فهنا يسوغ له هذا الهجر مع ما قد ينطوي عيه من الألم لفراق الأهل والوطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت