فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 74

أمّا أن يهجر العبد بلده لأنّه لا يستطيع كفّ بصره عن النّساء غير أنّه يعرف من نفسه أنّه لا يصل به الحال إلى الزّنا، فهذا غير منطقي أبدًا، لأنّ إطلاق البصر لن يتغيّر حتّى لو ترك بلده، ثمّ إنّه بذلك يطلب أن يكون منزّهًا عن الخطأ وهو عين الخطأ، لأنّه وإن سلم من إطلاق البصر في مكان آخر فلن يسلم من ذنوب أخر قد تكون في المكان الّذي ذهب إليه.

بل في هذه الحال عليه أن يكثر الاستغفار والتّوبة وإن تكرّرت منه الصّغيرة، وما شرع الله كثرة الاستغفار والتّوبة إلاّ لعلمه سبحانه أنّ ابن آدم لا ينفكّ البتّة من ذنوب صغار لا يملك نفسه أمامها، وإن كان لا يبحث عنها، وهذا أمرٌ طبيعي في المؤمن ليس من علامات النّفاق ولا الفسق، وإذا كان ديدن العبد الاستغفار والتّوبة فلن تضرّه الذّنوب إن شاء الله تعالى، وهذا مقتضى النّصّ من كتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

لا تجاهر

من القواعد الشّرعيّة المهمّة، أنّ الذّنب قد يعظم وهو من الصّغائر بسبب ما يقترن بحال فاعله من الأمور الّتي تزيد من جرمه.

وأنّ الذّنب قد يصغر وهو عظيم بحسب ما يقترن بحال صاحبه من الأمور الّتي تخفّف من جرمه.

والمثال يوضح المقال: فالنّظر للنّساء مع أنّه صغيرة إلاّ أنّه يعظم إذا اقترن به تبجّح النّاظر بالمجاهرة به واستحسانه والإصرار عليه وطلبه والبحث عنه.

والزّنا عظيم إلاّ أنّه قد يصغر إذا اقترن فعله باستتار صاحبه ووقوعه فيه دون بحث عنه ومع الاستغفار منه والتّوبة.

إذا عُرف هذا فإنّ من أعظم ما يعظم الذّنب عند الله تعالى اقترانه بعدم الحياء منه عزّوجل، إذا أنّ ذلك يتضمّن الاستخفاف به وبأمره وبوعده ووعيده وهو من أكبر الجرائم القلبيّة الّتي قد تنطوي عليها الضّمائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت