فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 74

ومن أمارات قلّة الحياء من الله تعالى المجاهرة بالمعصية أمام الخلق، فهو إشارةٌ للاستخفاف، وهو أيضًا مؤشّرٌ خطير على استحلال الفاعل للمعصية ممّا يعني خروجه من الملّة ربّما.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم:

(كلّ أمّتي مُعافى إلاّ المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يستر الله عليه ثمّ يصبح يكشف ستر الله عنه يقول: يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا، فيبيت ربّه يستره ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه) [1] وفي هذا أنّ المجاهرة هي فعل المنكر أمام النّاس، وكذلك فعله سرًا ثمّ الإخبار به دون ندم.

وفي الحديث معنى لطيف! إذ أنّ المجاهر بالمعصية لا يفعل ذلك إلاّ لعدم إحساسه بقبح فعله، وإذا كان كذلك فهوكالمريض الّذي لا يحسّ بمرضه فهو لا يطلب له دواء، أو هو يرى مرضه عافية، كمن يحسب الشّحم فيمن شحمه ورم، فكيف يُعافى مريض لا يطلب عافية، أويرى مرضه عين العافية؟

ومن هنا فالواجب على المؤمن إذا ابتُلي بشيء من الذّنوب أن يستتر بها وأن لا يجاهر فيكون كالمبارز لله تعالى، قال - صلى الله عليه وسلم:

(من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله) [2] .

ولأنّ الاستتار يعقب العافية من وجهين:

الأوّل: أنّه إذا أراد التّوبة لم يخجل من نظر الخلق إليه لأنّه عصى سرًّا وتاب سرًا، فلا يدري عنه إلاّ الله، وأمّا إذا عصى جهارًا فإنّ الشّيطان يصعّب عليه التّوبة ويعظّم في عينه نظر الخلق إليه وخصوصًا رفقاء المعصية الّذين سيتهكّمون به وسيحسب لكلامهم ألف حساب ممّا يجعل التّوبة عليه أصعب مرّات عديدة ممّا لو استتر بالمعصية.

(1) أخرجه البحاري في الأدب ح6069 ومسلم في الزّهد ح299.

(2) أخرجه مالك في الموطّأ ح 1562وصحّحه الألباني في الصّحيحة ح663.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت