فهرس الكتاب
والثّاني: أنّ الاستتار دليل على استقباح العاصي لفعله، فمع أنّ فعل الذّنب دليلٌ على مرض القلب ولاشكّ، غير أنّ المجاهرة دليل على موت القلب فهو لا يستقبح المعصية فلذلك يجاهر بها لأنّه لم يعد فيه حياة يميّز بها بين الحسن والقبيح.
واستقباح العاصي لمعصيته ونظره لها بعين النّقص هو أوّل خطوة في طريق العلاج، لأنّ المريض إذا أحسّ فعلًا بمرضه دفعه ذلك إلى البحث عن الدّواء، يدلّ على ذلك ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: (من سرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مؤمن) [1] ، والمستتر بجرمه إذا فعله لأنّ ذلك يسوؤه فذلك دليل العافية إن شاء الله تعالى.
سؤال مهم:
إن قال قائل: لكنّ الله تعالى ذمّ الّذين يستسرّون بالمعصية فقال:
{إنّ الله لا يحبّ من كان خوّانًا أثيمًا يستخفون من النّاس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول} [النّساء:107ـ108] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:
(لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جلهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) [2] ففي النّصّين ذمّ من استتر عن أعين النّاس بمعصيته.
فالجواب من أوجه:
أوّلًا: أنّه يجب أن تعلم قطعًا أنّ هذه الآية وما في معناها تذمّ العاصي من حيث أنّه لم يستحِ من الله، أو لأنّه استحيا من الخلق أكثر من الخالق، لكنّها قطعًا لا تأمر هذا العاصي بالمجاهرة بالمعصية لأنّ في ذلك عدم الحياء لا من الخلق ولا من الخالق وهذا أشدّ قبحًا، والشّارع أتى بتخفيف المفسدة إن لم يمكن إزالتها.
(1) أخرجه أحمد ح 115، 15269، والتّرمذي في الفتن ح216.
(2) أخرجه ابن ماجة في الزّهد ح4245، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع برقم 5028.