فهرس الكتاب
ثانيًا: أنّ هذه الآية وما في معناها يُقصد بها أحد صنفين: إمّا المنافقون الّذين لا يجاهرون بكفرهم ومعاصيهم لخوفهم من النّاس ويستترون منهم لأنّهم لا يؤمنون بوعد ولا وعيد فهذا توبيخٌ لهم لأنّهم لا يرجون لله وقارًا.
وإمّا المراؤون الّذين يستسرّون بالمعصية حفاظًا على جاههم أو دنياهم أو خوفًا من السّلطان فهم يستسرّون بالمعصية إظهارًا للدّين والتّقوى والورع بينما لا يصاحبهم في حال معصيتهم خوف ولا وجل من الله ولا حياء ولا فكر في ذنوبهم هذه ولهذا عبّر عن - صلى الله عليه وسلم - عن فعالهم بأنّه انتهاك، ففيه نوع تغليظ لفعلهم.
وأمّا المؤمن الّذي يقع في الذّنب ويخفيه فإنّ قصده صحيح وهو ممتثل للشّرع، قال الغزالي رحمه الله تعالى: (ولا يخلو الإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه وهو يخفيها ويكره اطّلاع النّاس عليها، لا سيّما ما تختلج به الخواطر في الشّهوات والأماني، والله مطّلعٌ على جميع ذلك، فإرادة العبد لإخفائها عن العبيد ربّما يظنّ أنّه رياء محظور، وليس كذلك، بل المحظور أنّه يستر ذلك ليري النّاس أنّه ورع خائف من الله تعالى مع أنّه ليس كذلك، فهذا ستر المرائي، وأمّا الصّادق الّذي لا يرائي فله ستر المعاصي ويصحّ قصده فيه ويصحّ اغتمامه باطّلاع النّاس عليه من ثمانية أوجه:
أوّلها: أن يفرح بستر الله عليه وإذا افتضح اغتمّ بهتك ستره وخاف أن يهتك ستره في القيامة وهذا غمٌّ ينشأ من قوّة الإيمان.
ثانيها: أنّه قد علم أنّ الله يكره ظهور المعاصي ويحبّ سترها فهو وإن عصى الله بالذّنب فلم يخل قلبه من محبّة ما أحبّ الله، وهذا ينشأ من قوّة الإيمان بكراهة الله لظهور المعاصي، وأثر الصّدق فيه أن يكره ظهور الذّنب من غيره أيضًا ويغتمّ بسببه.
ثالثها: أن يكره ذمّ النّاس له به من حيث أنّ ذلك يغمّه ويشغل قلبه عن الطّاعة.