فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 74

كما أنّ الاستسرار بالمعصية هو عين العقل، وهو دليل صحّة، ولذلك قال ابن الجوزي: (إذا رأيت قليل العقل فلا ترج خيره، وأمّا من كان وافر العقل لكن يغلب عليه الهوى فارجُه، وعلامة ذلك أنّه يدبّر أمره في جهله [1] فيستتر من النّاس إذا أتى فاحشة، ويراقب في بعض الأحوال، ويبكي عند الموعظة، ويحترم أهل الدّين، فهذا عاقل مغلوب بالهوى، فإذا انتبه بالنّدم خنس شيطان الهوى وجاء ملك العقل) [2] .

على أنّ الكمال لا يكون بإفساد ظاهرك ليستوي مع باطنك، وإنّما إذا أردت تحصيل الإخلاص فاسع في إصلاح باطنك ليوافق ظاهرك فإن لم تستطع فإنّه ذلك أخفّ ضررًا من أن يفسد ظاهرك وباطنك.

أعمال القلوب أدوية تحتاج إلى طبيب

[ساعة وساعة] : الخوف والرّجاء، والرّغبة والرّهبة، والشّوق والمحبّة، والذّكر والغفلة ونحو ذلك من أعمال القلوب كلّها أدوية تحتاج إلى طبيب يحسن وصف الدّاء للعلّة الحادثة.

وهذا الطّبيب لا بدّ أن يكون عارفًا بالدّاء وموضعه، عارفًا بالدّواء وكمّيّته وطريقة استعماله.

فإذا كان الدّاء هو الغفلة احتاج إلى الذّكر، وإذا كان الدّاء هو ملل النّفس من موالاة الذّكر احتاج إلى شيء من الرّاحة والسّلوان.

وإذا كان الدّاء هو غلبة الخوف احتاج إلى الرّجاء، وإذا كان الدّاء غلبة الرّجاء احتاج الخوف.

وعليه فلابدّ أن تعرف الدّاء الّذي غلب عليك وأن تحسن علاج نفسك.

وإنّ من أعظم الضّرر أن يرى الإنسان داء نفسه دواءً، وأن يحسب المرض عافية، وكلّ ذلك بسبب قلّة العلم والفقه في دين الله.

(1) أي حين يجرّه هواه إلى المعصية.

(2) صيد الخاطر ص361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت