فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 74

فبعض النّاس يعتقد أنّ الإيمان والسّلامة تكون في جانب الخوف، حتّى يقطعه الخوف عن كثير من المباحات، بل وقد يخرجه إلى السّقم والوسوسة وقد يصل به إلى القنوط، فهذا الخوف في الحقيقة مرضٌ وليس بعافية، فإذا كان المرء فقيهًا في نفسه عرف أنّ الخوف بهذا الشّكل قد يودي به إلى عاقبة سوء، فعالج نفسه بشيءٍ من الرّجاء والتّسلية والتّوسّع في المباحات حتّى يعادل ميزان السّلوك في نفسه.

وإنّ العبد العاقل يعرف الأحوال والمواطن الّتي يصلح لها كلّ عمل من هذه الأعمال، ففي ساعات الغفلة يحتاج إلى الذّكر، وفي ساعات الرّجاء يحتاج إلى الخوف وفي ساعات الخوف يحتاج إلى الرّجاء، ولا يجعل أيّامه كلّها على وتيرة واحدة لأنّ النّفس لا تسير عليها دائمًا.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شابٍّ وهو في الموت فقال: (كيف تجدك؟ قال: يارسول الله والله إنّي أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لايجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله مايرجو وأمّنه مما يخاف) [1] .

وقال - صلى الله عليه وسلم:

(لايموتنّ أحدُكم إلاّ وهو يحسن الظنّ بالله) [2] .

وقد يَحسُن في بعض المواطن تغليبُ أحد الجانبين، كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (إذا رأيتم الرجل بالموت فبشّروه ليلقى ربه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيًا فخوفوه بربه عز وجل) [3] .

(1) أخرجه التّرمذي كتاب الجنائز ح983، وابن ماجة في الزّهد باب ذِكر الموت والاستعداد له عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.

(2) أخرجه مسلم في صفة الجنّة ونعيمهاح2877.

(3) شرح السّنّة للبغوي 5/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت