فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 74

فلا يهولنّكم ما ترون من غفلة النّاس عن ذكر الموت حقّ ذكره فإنّها نعمة من الله سبحانه تقوم بها الدّنيا ويصلح الدّين.

وإنّما تُذمّ الغفلة الموجبة للتّفريط والإهمال للمحاسبة للنّفس وتضييع الزّمان في غير التّزوّد) [1] .

وقد يقول قائل: إنّ أكثر النّاس بل طلاّب العلم في غفلة عظيمة، وليسوا بحاجة لهذا الفصل بل هم في حاجة لمن يذكّرهم بالموت؟

أقول: إنّ غرضي في إيراد مثل هذه الفصول ليس مجرّد كفّ الفعل، وإنّما المراد عدم النّظر للنّفس بعين النّقص لحدّ الإجحاف بها فيقع فيها اليأس.

فإنّ من يقرأ عن بعض السّلف أنّه لم يضحك أربعين سنة، وأنّ الآخر يبكي كلّ يوم حتّى يبلّ الثّرى، وعن آخر أنّه لا يأكل إلاّ الخبز اليابس، وعن آخر أنّه كلّما ذُكر له آية صعق وغير ذلك، ربّما توهّم في نفسه أنّ من لم يكن كذلك هلك، وأنّ تلك هي رتب الكمال الّتي يدعو إليها الشّرع، ثمّ يقارن نفسه فيجد بونًا شاسعًا، لأنّه لو عمل طول عمره يعرف من نفسه أنّه لايدرك ربع هذا المقدار، مع ما يكابد من شغل الحياة وكسب المعاش، فيرتّب على ذلك أنّه ناقص عن الواجب وعاجز عنه فيقع في التّفريط والقنوط.

لكن ليُعلم أنّ تلك الأمثلة كانت حتّى في عصورها غريبة نادرة، مع قرب تلك العصور لعهد النّبوّة، ولعل من حكمة الله في ورودها أن يتذكّر بهم النّاسي ويعتبر الغافل والجاهل.

(1) صيد الخاطر ص246 ـ147 بتصرّف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت