فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 74

والنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نفسه نهاه ربّه عن مثل هذا، ففي صحيح ابن حبّان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: مرّ سول الله - صلى الله عليه وسلم - على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، فأتاه جبريل فقال: إنّ الله يقول لك: لم تُقنِّط عبادي، قال: فرجع إليهم فقال: سدِّدوا وقارِبوا ... وأبشروا) [1] .

وابن الجوزي ذكر هذا المعنى فقال: (نرى العقل الّذي أوجب القلق [2] يأمر بما يوجب السّكون، فقال: إنّما خُلق هذا البدن ليحمل النّفس كما تحمل النّاقة الرّاكب، ولا بدّ من التّلطّف بالنّاقة ليحصل المقصود من السّير، ولا يحسن في العقل دوام السّهر وطول القلق، فلابدّ من التّلطّف بالبدن بتناول ما يصلحه، وبالقلب بما يدفع الحزن المؤذي له، والشّرع أتى بما قاله العقل فقال: إنّ لنفسك عليك حقًّا وإنّ لزوجك عليك حقًّا فصم وأفطر وقم ونم، ومن أراد مصداق ذلك فليتأمّل حالة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - فإنّه كان يعدّل ما عنده من الخوف فيمازح ويسابق عائشة ويكثر من التّزوّج ويتلطّف ببدنه، ولولا مساكنة نوع غفلة لما صنّف العلماء ولا حُفظ العلم ولا كُتب الحديث لأنّ من يقول: ربّما متُّ اليوم، كيف يكتب وكيف يسمع ويصنّف؟

(1) الإحسان 1/ 320، والحديث أخرجه بهذا التّمام البخاري في الأدب المفرد باب الضّحك ص40 (ح191/ 254: صحيح الأدب المفرد للألباني) ، ورواه البخاري في صحيحه دون ذِكر القصّة، في كتاب الرّقاق باب قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (لو تعلمون ما أعلم) عن أبي هريرة وأنس - رضي الله عنه - ما، قال الحافظ: قد جاء لهذا الحديث سبب أخرجه سعيد في تفسيره بسند واه والطّبراني ثمّ ساق القصّة الفتح 11/ 319، وقد بحثت عنه في معاجم الطّبراني فلم أجده.

(2) أي اضطراب النّفس بسبب الخوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت