فهرس الكتاب
وعليه فمن الفقه السّديد أن يجعل المؤمن لنفسه أثناء سفره محطّات، يريح فيها راحلته ويدفع اليبوسة بالرّطوبة، والحرارة بالبرودة، والمرارة بالحلاوة.
وما نقرأ عنه في سير الصّالحين من دوام الحزن والخوف لا يستقيم في الحقيقة مع سيرته - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن دائم البكاء والدّمع والخوف والهلع، بل كان يخاف إذا ذكر ويضحك ويتبسّم إذا كان ثمّ ما يدعو لذلك.
وصحابته كذلك فعلوا وتلك كانت سيرتهم، يضحكون ويمزحون وإذا تذكّروا خافوا وبكوا وندموا وتابوا.
والّذي أريد قوله أنّ الّذي مارسناه كثيرًا من الإيغال في ذكر الموت واستعماله دائمًا في النّصح والوعظ أمر مُحدث في رأيي ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
صحيح أنّه - صلى الله عليه وسلم - أمر بذكر الموت فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنّها تذكّركم الآخرة) [1] .
لكنّه لم يأمر باستدامة هذا الذّكر، وإنّما هو دواءٌ يداوي المؤمن به نفسه، فإنّ مقارفة الدّنيا والانهماك في طيّاتها ينسي العبد دينه ويقسّي قلبه، فدلّنا - صلى الله عليه وسلم - على مداواة تلك القسوة بذكر الموت فحينها ينتبه الغافل ويتذكّر النّاسي ويلين القلب القاسي.
ومن هنا تعرف جهل من يستغلّ مناسبات عامّة هي من أوقات السّرور لتذكير الحاضرين بالموت وهجمته والقبر وضمّته حتّى يصيب السّامع بالكآبة.
وليس من السّنّة أن تقطع على نفسك أوقات المرح والسّرور سواء مع نفسك أو مع أهلك وأصدقائك بذكر الموت والبلى، إلاّ إذا رأيت أنّ النّفس استرسلت مع الدّنيا كثيرًا فحينئذ يجد الذّكر له محلاًّ.
(1) صحّ عن عدد من الصّحابة، وأشهرها حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه -، أخرجه مسلم في الجنائز باب استئذان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في زيارة قبر أمّه.