والمعنى التالي هو الحال الذي يكون عليه فيما بينه وبين أهله وولده، فيحملهم على الدين ويعلمهم طريق الله تعالى ويأخذهم من مفترق الطرق إلى طريق الله تعالى الذي يسير فيه، وكذلك أن يظهر بره لوالديه وإحسانه إليهما إلى غير ذلك مما ذكر الله تعالى وينتقل بعد ذلك إلى ما يكون بينه وبين المؤمنين من سلامة القلب لهم والتكافل بينهم والتعاون بينه وبين إخوانه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة 002) ، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [1] ، ليس بينه وبينهم بغضاء ولا شقاق ولا تدابر ولا تقاطع ولا حقد ولا غل ولا محبة نفس وإيثار الدنيا والأثرة عليهم بل بينه وبينهم الكرم، الجود والإحسان والعمل الصالح ثم دعوتهم إلى الله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل 125) بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يأمر بالمعروف بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر بالرفق واللين.
ترى هذه الآثار قد ظهرت في طريق المتعبدين واتضحت عليهم وبانت أنوارها عليهم في حركاتهم وسكناتهم وكلامهم وظاهرهم وباطنهم وعبادتهم وقربهم وذكرهم وقرآنهم ومساجدهم ومعاملاتهم وإحساناتهم، وظهر فيما بينهم من ترك المظالم والتناسي لما بينهم من المآسي والمصائب، وتجاوز كل عن أخيه يريد بذلك أن يتجاوز الله تعالى عنه، وتسامح كل في حقه يريد أن يسامحه الله تعالى فصاروا بذلك خلقا جديدا يستحق رحمة الله ومغفرته، ويستأهل أن ينزل عليهم سبحانه وتعالى بركته ويرفع عنهم بلاءه؟
6 -الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة
(1) رواه البخاري (6011) كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم (2586) كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.