وإذا بها تلبيسات أخرى من تلبيس الشيطان يريد منه أن يقعده عن العمل، وعن مواصلة السير إلى الله تعالى، وأن يكون هذا الشخص المسكين الذي ينظر هذه النظرة - يُدل بعمله على الله، أن يستعظم عمله على الله تعالى، وأن يظن أنه قد فعل وفعل، وقد ذكرنا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يهدم هذا التلبيس من الشيطان: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمته» [1] .
فإن جاءك الشيطان وقال لك: أنت صمت، وأنت قمت، وأنت فعلت، قل له: لا، كل ذلك لا يثني عن مواصلة السير إلى الله، عن الاستعداد، عن بذل الشكر لله حتى لو قال لك: أنت فعلت وأنت صليت، قل له: إذن أنا أحتاج أن أشكر الله تعالى، وأن أخضع له، وأوفر هذا الوقت والجهد لطاعته سبحانه وتعالى، أن يصرف كل هذه النعم التي أعطاه الله تعالى في مرضاته شكرًا له.
فهذه تلبيسات أخرى للمؤمنين المتقين من خرج من رمضان وقد حَصَّل شيئا من التقوى لله تعالى كما ذكر الله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 183) يحذر من هذه التلبيسات الشيطانية بأن يروا أنفسهم قد فعلوا شيئًا وهم لم يفعلوا على الحقيقة إذ هو محض فضل الله عز وجل، وليخش المرء من أن يكون ذلك الاستعظام للعمل سببا في أن يكون من المطرودين المردودين مع الله تبارك وتعالى، وأن تكون هذه بداية مرة أخرى للتفريط والتقصير في هذه الحقوق في هذه العبادات وهذه الرحمات التي قد حصلها في رمضان الذي نحن فيه.
(1) رواه مسلم (2816) كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله.