الورع أيها الإخوان و هذه هي القضية الأولى و هي بيان معنى الورع و حقيقته.. الورع هو الكف و الانقباض في أصل معناه اللغوي و يمكن أن يقال إنه الكف عما لا ينبغي و نحن نقول تورع فلان عن كذا أي تحرج عنه و أما في معناه الشرعي فيمكن أن يقال هو ترك ما يريبك و نفي ما يعيبك و الأخذ بالأوثق و حمل النفس على الأحوط، و يقول يونس ابن عبيد' هو الخروج من كل شبهة و محاسبة النفس في كل طرفة عين' و بعضهم يقول'هو اجتناب الشبهات و مراقبة الخطرات' و يقول إبراهيم ابن أدهم ' هو ترك كل شبهة و ترك ما لا يعنيك' و يقول بعضهم هو 'التوقي المستقصى على حذر و التحرج على التعظيم' و يقول يحيى ابن معاذ ' هو الوقوف على حد العلم من غير تأويل' أي من غير أن تتأول لنفسك فتبحث عن المخارج و يقول 'الورع على وجهين ورع في الظاهر و ورع في الباطن فورع الظاهر أن لا تتحرك إلا لله و أما ورع الباطن فهو أن لا تشغل قلبك بغير الله عز و جل' و أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد عبر عنه بقوله' إنه الإمساك عما قد يضر فتدخل فيه المحرمات و الشبهات لأنها قد تضر فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه' و الورع المشهور عنده رحمه الله هو الورع عما قد تُخاف عاقبته و هو ما يُعلم تحريمه و ما يشك في تحريمه أي أنه في موضع الاشتباه.. مع ضابط في غاية الأهمية نبه عليه رحمه الله و هو أن لا يكون في تركه مفسدة أعظم من فعله و سيأتي بيان هذا الضابط و الخلاصة يمكن أن نقول إن معنى الورع هو ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى فكل ما يخشى ضرره في الآخرة فإن تركه يكون مطلوبًا على جهة التورع و هذا الذي يُخشى ضرره في الآخرة قد يكون شيئًا محرمًا ظاهر التحريم و قد يكون شيئًا مشتبهًا و قد يكون من باب التوسع في المباح -كما سيأتي- الذي يجر صاحبه للوقوع في المكروه