فهرس الكتاب
و أما السادس من أبواب الورع فهو الورع في النظر.. قد ذكرت فيما سبق أن من الأمور التي تفسد القلب الفضول من كل شيء و من ذلك فضول النظر فإذا أطلق الإنسان بصره و صار ينظر هاهنا و هاهنا في ما يحل له و ما يحرم عليه لا يخرج من ذلك بالسلامة يخرج بتبعة و ذنوب كما أنه يخرج بقلب ملوث متدنس لأن البصر بريد للقلب و الله عز و جل يقول: ( و لا تقف ما ليس لك به علم إنا لسمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) فالسمع و البصر ميزابان يصبان في القلب فالمشاهد التي يراها الإنسان تؤثر في قلبه حتمًا لا محالة يقول وكيع بن الجراح رحمه الله مررت مع سفيان على دار مشيدة دار عظيمة البناء رفيعة عالية فرفعت رأسي إليها أنظر فقال: لا ترفع رأسك تنظر إليها إنما بنوها لهذا أي بنوها لأجل لفت الأنظار و شدها ليعجب الناس بها كأنهم يفتخرون بذلك و يتباهون به مع أن النظر إليها ليس بالأمر المحرم لكن سفيان نهاه عن هذا النظر فهذا من كمالات الورع في باب إطلاق البصر و يقول داود الطائي: كانوا يكرهون فضول النظر و قد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يبالغون في الاحتراز في هذا الباب هذا مجاهد كان في داره عُلّية يعني غرفة في الأعلى في الدور الثاني فبقي ثلاثين سنة لم يشعر بها و كان أحمد بن حنبل إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه فقيل له في ذلك..؟ فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله و كذب عليه و ذكرت لكم من قبل ما وقع لجريج الراهب حينما دعت عليه أمه أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات فهذا الإمام أحمد يتحرز و يغمض إذا رأى نصرانيًا و يقول لا أستطيع أن أنظر إليه و هكذا النظر إلى وجوه أصحاب الفجور و النظر إلى وجوه أصحاب البدع فإن ذلك يؤثر في قلب الإنسان كان سفيان الثوري رحمه الله قاعدًا بالبصرة فقيل له هذا مساور بن سوار يمر و كان هذا الرجل من الظلمة أو من أعوان الظلمة فقام سفيان سريعًا فدخل في داره و قال: أكره أن أرى من يعصي الله