الصفحة 39 من 194

لذلك فمن عَلِمَ العلم النافع، ووفق للعمل بموجبه، فقد أوتي خيرًا كثيرًا. قال الله تعالى في سورة البقرة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الالْبَابِ(269) . قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد (1) في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن. وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم.

وأخرج الخطيب البغدادي في الفقه والمتفقه (1/29) : عن عبد الرحمن بن محمد الزهري، قال: سئل أبو العباس أحمد بن يحيي عن قوله في سورة مريم: (..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ..(12) ، فقال: الحكمة فقه الشيء، قيل له: الكتاب غير الحكمة؟ فقال: لا يكون حكيمًا حتى يعلم القرآن والفقه، فإن علم أحدهما لا يقال له حكيم حتى يجمعهما، معناه يعلمهم الكتاب ويعلمهم معانيه.

وأخرج ابن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله" (1) عن ابن وهب: قال لي مالك: وذكر قول الله عز وجل في يحيي: (..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (2) ، وقوله في عيسى: (..قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ..) (3) وقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..) (4) ، وقوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ..) (5) ، قال مالك:"الحكمة في هذا كله طاعة الله، والاتباع لها، والفقه في دين الله، والعمل به".

وقال ابن وهب: وسمعت مالكا مرة أخرى يقول:"الذي يقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، قال: ومما يبين ذلك أن الرجل تجده عاقلا في أمر الدنيا، ذا نظر فيها، وبصير بها، ولا علم له بدينه، وتجد آخر ضعيفا في أمر الدنيا عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله."

وقال ابن وهب: وسمعته يقول: الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت