فهرس الكتاب
فهذان عدوان قد امتُحِن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذِله ويُرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ، وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوَّين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى في سورة فاطر: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..(6) . والأمر باتخاذه عدوَّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه لا يفْتُر ولا يقَصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
ثم قال ـ رحمه الله ـ (3/9) : إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، وما فاتها علمُه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الرَّبَّانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربَّانيَّا حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلَّم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.أ.هـ
ثم تكلم ـ رحمه الله ـ عن جهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين ثم قال: