الصفحة 44 من 194

نقل الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ في كتابه:"سير أعلام النبلاء" (13/444) عن أحمد بن جعفر بن سَلْم قال: سمعت الأبَّار يقول: كنت بالأهواز، فرأيت رجلًا قد حفَّ شارِبه ـ وأظنه قال: قد اشترى كتبا وتعَّين للفتيا ـ فذُكر له أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئًا. فقلت: أنت لا تحسن تصلِّي. قال: أنا؟ قلت: نعم، أيْش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت ورفعت يديك؟ فسكت، فقلت له: أيْش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: فما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ألم أقل: إنك لا تُحسن تُصلِّي؟ فلا تذكر أصحاب الحديث.

طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله

قال تعالى في سورة العنكبوت:

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا

وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) .

قال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ فيما نقله ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ في"جامع بيان العلم وفضله":

"من رأى الغدوَ والرَّواحَ إلى العلم ليس بجهادٍ فقد نقص عقله ورأيه".

ويفسر هذا القول ابن القيم في كتابه الماتع"زاد المعاد في هدي خير العباد" (3/6) فيقول ـ رحمه الله ـ:

( ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسَه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:( المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هَجَر ما نهى الله عنه) . كان جهاد النَّفْس مقدَّما على جهاد العدوّ في الخارج وأصلًا له، فإنه من لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمِرَت به وتترك ما نُهيَت عنه ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت