الصفحة 59 من 143

عندما نرفع أستار التعصب والتحزب والعاطفة عن هذا المشهد - وهي أستار تحول دون رؤية المشهد على حقيقته - سنجد أمامنا جموعًا - في غالبها - قد أجدبت أفكارها وأقفرت. وسنجد إقبال أبناء الصحوة الإسلامية - وهم الطليعة المنوط بها قيادة عملية التقدم والنهضة والتغيير - على القراءة والعلم والتعلم ضعيفًا. وإقبالهم على قراءة التاريخ، والتجارب الإنسانية بعمومها نادرًا ومحدودًا، ويكاد يقتصر على نموذج أو نموذجين مبتورين لإسم أو إسمين من تراثنا، في غياب نسق فكري يقوم على منهجية في البحث والنظر. كما أن استخدامهم وتفعيلهم لأدوات العلم واستخدام العقل والابتعاد عن الظن وطلب البرهان نادر، وإقبالهم على فتح أبواب غير مطروقة وعدم الاكتفاء بقول وعمل من مضى قليل.

وفي وسط المشهد سنجد جموعًا تدور حول نفسها. اجتمعت على اجترار إنتاج الماضي بدلًا من فرزه، والوقوف عنده، وبدلًا من فتح آفاق للمستقبل، والاكتفاء باتباع الوسائل بدلًا من ابتداعها، والاهتمام بالأشكال بدلًا من الاهتمام بالجوهر.

وبجوار هذه الجموع الدائرة سنجد أناسًا قد وقفوا لا يريدون أن يبرحوا أماكنهم. يحملون شعارات ويرفعون رايات كُتب عليها:"نحن أعداء ما نجهل"ويصيحون قائلين: هذا طريق أو محاولة جديدة لا نعرفها، فلماذا نسلكها ونجربها أو حتى نستمع إليها؟؟!! فبدلًا من أن يقول قائلهم: لم لا نحاول؟ نجده يصرخ ويقول: لم نحاول؟؟!!

وفي أطراف المشهد سنجد مجموعة من المقلدين. لا يتساءلون وإنما يقلدون فِعل الأقدمين وأعمالهم دون تفكير في جدواها في لحظتها الراهنة.

وخلفهم سنجد آخرين يعتمدون الظنون والأوهام دون مطالبة قادتهم بالتدليل والبرهان على صحة ما ذهبوا إليه من أفكار وتصورات؛ بل

ويفترضون أن الخطأ غير وارد ويكفيهم قول قادتهم دليلًا وبرهانًا. كما أنهم يعتقدون أن قياداتهم ومفكريهم يعرفون كل شيء، وما عليهم سوى اتباعهم والسير على منهاجهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت