الصفحة 65 من 143

لقد قدم مالك بن نبي في كتاباته تصورًا يتمثل في ثلاثيته المشهورة بقوله:"أن الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء. فلكل حضارة عالم أفكارها، وعالم أشخاصها، وعالم أشيائها".

ويقصد بعالم الأفكار مجموعة المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ (1) والنماذج التي تحتويها عقول مجتمع ما في لحظة تاريخية ما. ويدخل في هذا العالم أيضًا كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس.

أما عالم الأشخاص فيقصد به مجموعة العلاقات والنظم والاتصالات والقوانين التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون هذا المجتمع فيما بينهم.

أما عالم الأشياء فهو كل ما ينتجه هذا المجتمع من مبانٍ وشوارع وزراعة وصناعة، وغير ذلك من المنتجات والخدمات المحسوسة والملموسة.

فإذا نظرنا إلى حاضر العالم الإسلامي سنجد اضطرابًا وضعفًا شديدين في تلك العوالم الثلاث. فعالم الأفكار أصبح قفرًا مجدبًا. بينما اختل عالم الأشخاص والعلاقات، ودليل ذلك ما نشهده في انتشار الاختلالات الاجتماعية وانعدام العدالة أو ضعفها والطغيان، وما إلى ذلك من صور الاختلال في العلاقات البشرية. أما عالم الأشياء التي ننتجها فهو ضعيف جدًا ولا يكاد يذكر مقارنةً بما تنتجه البشرية جمعاء.

من أين يبدأ الإصلاح؟

وهنا يأتي السؤال الهام، وهو من أين يجب أن يبدأ الإصلاح؟ وبأي هذه العوالم الثلاثة يجب علينا أن نبدأ؟ هل لابد أن نبدأ بإصلاح عالم الأفكار أولًا؟ أم أنه لابد من البدء بإصلاح عالم العلاقات بين الناس؟ ولماذا لا يكون البدء بإصلاح عالم الأشياء هو أول الطريق نحو النهضة؟!

وللإجابة على هذا التساؤل سنبسط كلام مالك بن نبي حول حله

(1) يقصد بالمبادئ مجموعة الصواب والخطأ التي يعتقدها المجتمع ويبني على أساسها أحكامه وقراراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت