الصفحة 82 من 143

ولكن ما يحدث في واقع الإسلام أن بعض المسلمين يهربون من الخط الثاني - خط التبعات والمسئوليات والكفاح والبذل - إلى الخط الأول ليرضوا ضمائرهم، فيقضون حياتهم بين الحرمين، ويشيدون المساجد، ويطعمون الطعام، وينحرون تقربًا وزلفى إلى الله. كل ذلك على أهميته وعظيم أجره إلا أن الله تبارك وتعالى حذر من الاكتفاء به وحصر الإسلام فيه، فقال تعالى:"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله"

واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله. لا يستوون عند الله. والله لا يهدي القوم الظالمين" (1) . ولقد قرظ الشاعر هؤلاء القوم - وصدق - فقال:"

أيفيد الشرع ذكرٌ في مساجد كالقصور

أيرد البغي وعظ دون جيش في الظهير؟؟!!

فالاهتمام بالخط الأول دون الثاني هو من قبيل إرضاء الضمائر وليس هذا ما خلقنا من أجله، وليس هو دين الله في تمامه وكماله.

وصنف آخر من المسلمين يغرق في الخط الأول بحجة تنمية الذات وتنمية الروح والقلب. ويوسوس له الشيطان أنه ليس كفءً لخدمة الإسلام والعمل له والبذل في سبيله ما دام يُذنب ويقع في الأخطاء والآثام. وهو بذلك يدخل في هذه الدائرة المغلقة، فلا يخرج منها ليفكر في أحوال الأمة وآلام المجتمعات. ولو تأمل قليلًا لوجد أن زيادة الإيمان لا تكون إلا بالعمل الجاد للإسلام، الذي يحيي في نفس الإنسان كل المعاني الإيمانية، ويدفعه دفعًا نحو العبادة والصالحات، ليتزود أكثر، وينطلق لأداء مهامه.

أما الصنف الثالث من المسلمين، والمنوط به النهوض بالأمة وتحقيق آمالها وأحلامها، هذا الصنف الذي يحاول جاهدًا أن يسير على الخطين ما استطاع فهو يعاني من الأسر والسجن بين قضبان إنجازات الماضي. هذا الصنف المخلص لا يجد من يحدثه عن إنجازات الحاضر؛ ناهيك عن الإنجازات المستقبلية المرتقبة. وقادته وموجهوه لا يحدثونه إلا عن إنجازات الماضي،

(1) سورة التوبة: 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت