يقول البهبهاني: اعلم أن كون الحكم تقية إنما هو إذا كان موافقا لمذهب العامة كلهم أو بعضهم ، على ما هو المعروف من الأصحاب القدماء والمتأخرىن . إلا أنه توهم بعض الأخباريين فجوز كونه تقية ، وإن لم يكن موافقا لمذهب أحد من العامة ، بل لمجرد تكثير المذهب في الشيعة ، كي لا يعرفوا ، فيؤخذوا ويقتلوا . وهذا التوهم فاسد من وجوه:
الأول: إن الحكم إذا لم يكن موافقا لمذهب أحد من العامة يكون رشدا وصوابا ، لما ورد في الاخبار: فإن الرشد في خلافهم ، وفيما لم يذهبوا إليه ، فكيف يكون مثل هذا تقية ؟ لان المراد من الرشد والصواب ما هو في الواقع رشد وصواب ، لا من جهة التقية ودفع الضرر ، وإلا فجميع ما ذهب إليه العامة يصير رشدا وصوابا . وأيضا إذا كان رشدا و صوابا فلم حكمت بأنه تقية ، ومخالف لمذهب الشيعة . ؟
الثاني: إنه غير خفي على من له أدنى اطلاع وتأمل أن العامة بأدنى شئ كانوا يتهمون الشيعة بالرفض ، وأذيتهم للشيعة إنما كانت بالتهمة غالبا ، وهذه كانت طريقتهم المستمرة في الأعصار والأمصار ، فكيف يكون الحال إذا رأوا أنهم يفعلون فعلا لا يوافق مذهبا من مذاهبهم ولا يقول به أحد منهم ؟ إذ لا شبهة في أنهم كانوا يتهمون بذلك ، بل بمثل ترك التكتف في الصلاة كانوا يتهمون ، مع أنه مذهب مالك رئيسهم الأقدم الأعظم في ذلك الزمان وغيره . والأئمة عليهم السلام كانوا يأمرون بمثل التكتف وأدون منه كما لا يخفى على متتبع الاخبار ، وكانوا يبالغون في احترازهم عن أسباب التهمة ، فكيف كانوا يأمرون بما لم يوافق مذهبا من مذاهبهم.