فهرس الكتاب
ومهما ذكرنا من مواقف فلن نبلغ معشارَ ما أبدَتْه صفحةُ حياته ( ، وإنَّ جوانبَ شخصيته ( في جميع تمثلاتها ، لتتداخَلُ فيما بينها ، فهناك صفاتٌ كثيرةٌ مشترَكةٌ ، بين كونه رسولًا وبين كونه معلِّمًا ، وكذا بين كونه معلِّمًا وبين كونه داعيةً ، وهلمَّ جرا ، فليَضَعْ القارئُ هذا في عينِ الاعتبارِ إن شاء الله تعالى .
ـ شخصيتُه ( كإمامٍ وصديقٍ:
وإنما أدخَلْنا الصديقَ هنا ، لأنه ( كان صديقًا لرعِيَّتِه ، فكلُّهم أصحابُه ، وهو بينهم كواحدٍ منهم ، يتفَقَّدُ أحوالهَم ، يعودُ مرضاهم ، ويشهدُ جنائزَهم ، ويُسَوّي بينهم ، ويصلحُ ذاتَ بينِهم ، يتحملُ إيذاءَ المنافقين منهم ، وجَفاءَ وغلظةَ أعرابهم ، ويعفو ويصفحُ عمَّن أساءَ إليه منهم ، مع مقدِرَته عليهم ، يشارِكُهم أعمالهَم ، ويعاتِبُهم في أخطائِهم بأرقِّ ما يكون من اللُّطْفِ والرأفةِ ، يبكي على فقيدِهم ، ويبذُلُ نفسَه لهم ، ولا يحتَجِزُ دونهم ، ويذهبُ بنفسه لعاجِزِهم يُلبّي طلبَه ، لا يستكبرُ أن يمشيَ مع الأرملةِ والمسكين فيقضي له حاجتَه ، ولا يُحَقِّرُ أحدًا منهم حتى المصابينَ في عقولهم ، محبوبٌ لَدَيْهم جميعًا ، مَهيبٌ في صدورِهم حتى الصغير منهم ، ويخفِضون عنده أصواتهم ، وما يحدّون إليه أنظارَهم ، كان رحيمًا رفيقًا شفوقًا على أمته ، ولم يحرِمْ العصاةَ من تلكَ الصفات .
هذا كلُّه سوى ما لا تحصيه الأقلامُ ، ولا تحيطُ به الأفهامُ ، من إرشادِهم ، وتعليمِهم وتأمينِ الحاجاتِ لهم ، وأمرِهم بالمعروفِ ، ونهيِهم عن المنكَرِ ، وقد تقدَّمَ الكثيرُ من جوانبِ شخصيتِه مع أصحابِه كمزاحِه ، وحسنِ عشرتِه لهم ، وسيأتي أيضًا جوانبٌ أخرى في ذلك إن شاء الله تعالى في سماتِ شخصيته ( كأسوةٍ للأمة .