على إصابته، لامعًا على إقناعه، رائعًا على إبداعه، قامعًا على نصاعته، يحق لي أن أتمثل فيه ببيت من قصيدة قديمة لي، أقول في مطلعها:
هذا جواب قامعٌ بل: مُقنِعٌ ... أو: قل جدالٌ جامعٌ بل: مانعٌ
فريدًا غاليًا عاليًا بديعًا لا يعترف بلغة الأمتار والأميال، ولكن يعترف بلغة التنبيه والتجدد والتجديد والتصحيح والتقويم لما وقع في عقيدة الغلاة من المبالغة، أجَل هذا الجزء اشتمل على مُلَحٍ لطيفة، وألفاظ فصيحة، ومعان بديعة، ونكت عزيزة، وطرائف غزيرة، وفوائد عديدة، وشوارد دقيقة، ومنار منيف، وتُحَفٍ سَنِية جليلة، وطُرَر جلية وجيزة، وعرض عجيب، أتى فيه بـ (ما يسيل لعاب) التكفيري العنيد، و (يَحُلُّ حبوة) الطالب المجيد، أسلوبه منبِّه للأذهان، وموقظ للوسنان، وطارد للشيطان، أسلوب فيه رأب للصدع، ولَمّ للشمل، وتوحيد للصف الجهادي السني بالشام، أسلوب شخَّص به الداء، ووصف به الدواء، وأرشد المجاهد إلى نصيع العقيدة، وحذر من مزالق الغلو والغلواء، وكان في سفره هذا طبيبًا لبيبًا، وبه طمس معالم الغلو، وكسر أقلام الغلاة، وأوصد كل الأبواب الموصلة إليه، وكشف الشبهات التي تلقيها حمالة الحطب، فانكشفت وانكمشت، وانكسفت، وانخسفت، وحمى جناب التوحيد من مبالغات الغلاة، وما ذكره أخونا الكاتب جامع بأسلوب التحصيل النهائي، وما لم يذكره يدل عليه ما ذكره هنا.
- (والتنبيه على القليل من الضلال والباطل والمبالغات مرشد لمعرفة الكثير لمن له أدنى فهم وأقل علم، واللبيب تكفيه الإشارة) (القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد) (ص:15) للشيخ عبد الرزاق، ومقدمتي لكتاب: (التوضيحات الجلية لأبيات البردة والهمزية المردية) (ص:87) من مطبوعات: مكتبة العلوم والحكم-.
ولكل جديد لذة، والْعَلَم لا يحتاج إلى زيادة ألقاب، وقد عرى العقيدة المزكومة، ولعل من يغترف من بحره الذي لا تكدره الدلاء، سيعترف بدرره، وقد فتح مغلق الكنوز، وحل مشكل الرموز، ويحصل الاطمئنان بما ينقل، وقد أخبرني أنه لم يشأ استطرادًا، ولهذا جاء هذا السفر المطرب بين إيجاز مقتصد، وبين تفصيل مطيل غير ممل، والعامل لدين الله ينبغي أن لا يلتفت إلى مدح مادح، ولا إلى ذم ذام.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز-رحمه الله تعالى-: (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور) .