الصفحة 53 من 80

تمثل جزيرة العرب، شبه جزيرة تحيط بها البحار من ثلاث جهات، وتفصل أفريقيا عن آسيا، أو تقع بين كتلتين كبيرتين من اليابسة هما آسيا وأفريقيا، قلبها صحراء مجدبة ممتدة، وعلى أطرافها يوجد شريطان أخضران، أحدهما في الجنوب، في بلاد اليمن وعمان، والآخر في شمالها، حيث نهري دجلة والفرات يمدان الهلال الخصيب بالنماء، ورغم أن حضارات ما قبل الإسلام في اليمن قد قامت ونمت وكذلك حضارات ما بين النهرين وكانت بلاد ما بين النهرين على الأقل عرضة وباستمرار للهجوم الخارجي، إلا أنّ صحراء العرب، لم تكن مطمعًا للطامعين، ولا تهديدًا لهم، وهكذا تحرك أهل هذه المنطقة، قبائل تعيش على الرعي والحرب، لا تعرف استقرارًا إلا في جزر صغيرة داخل صحراء الرمال والجبال، ألا وهي الواحات، حيث الماء والشجر والاستقرار، وأشهر هذه الواحات مكة، المدينة، والطائف، حيث توجد الحياة المستقرة، ويمارس الناس التجارة وشيئًا من الزراعة. ومن إحدى هذه الواحات خرجت رسالة الإسلام محاطة بالصحراء وأهلها.

تحدي المعطيات

وفي بطن مكة، ظهر الإسلام ، وبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - في أرض، لا تعد معطياتها بنماء رسالة، ولا بنقطة بدء صالحة. فالتنافس العائلي على أشده بين أهلها، والناس تأبى أن تتبع إلا من كان غنيًا قويًا، وهي مركز العقيدة الوثنية، والطبقية الاجتماعية حادة، والحالة المادية لا تسمح بمهمة تشمل إصلاح العالم، استجابة لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . [1] والمواصلات المتوفرة تجعل العالم جزرًا متباعدة، والاتصالات تنتقل ببطء السلحفاة، ولو بحثت في الجزيرة يومها، فهيهات أن تجد قبيلتين ليس بينهما ثأر، والاقتصاد البدوي يقوم على الغزو، والغنيمة، والحياة مرتبة على هذه الأسس، فكيف ستنفذ الدعوة من خلال هذه المعطيات، إلى هذه البيئة أولًا ثم إلى العالم.

(1) سورة الأنبياء: 107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت