الصفحة 54 من 80

ومع ذلك شقت دعوة الإسلام طريقها، حين أيقظ القرآن عالم المشاعر لدى العرب، فأحسوا بأنهم أمة جديدة، لديها ما تقدمه للعالمين، وأحسوا بذاتهم وقدرهم {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، [1] ورتب عالم الأفكار، فصحح التصورات عن الكون والحياة الدنيا والآخرة، وأقام العالم على أسباب موضوعية، على المسلم أن يبحث عنها في كل مجال، بالإضافة إلأى وجود الفكرة المحفزة التي ملأت قلوب المسلمين أملًا، فانطلقوا يفتحون الأرض. تلك الفكرة التي عبر عنها ربعي بن عامر عندما ذهب إلى رستم: {لقد ابتعثنا الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة} . إنها الرسالة الحضارية لإنقاذ البشرية، وتحرير الإنسان، كل الإنسان.

... ثم رتب الإسلام عالم العلاقات، فنظم الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية والفردية، ومع توافر الظرف التاريخي المناسب بضعف الإمبراطوريتين الروم والفرس، انطلقت دعوة الإسلام، لتضئ العالم بدءًا من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 622م، ولتصل إلى قمة إشراقها في القرن العاشر، ثم تبدأ في الانحدار شيئًا فشيئًا لتصل إلى أقصى منحنيات الهبوط بضعف الدولة العثمانية ثم سقوطها.

ونحن حين نتحدث عن الدولة الإسلامية، ومسارها التاريخي، لا يعنينا ابتداءً الحديث عن التفصيلات، بل سنحاول أن نرسم خارطة عامة للحدث وتتابعه التاريخي.

الدولة الإسلامية النموذج المفاهيمي (622م-661م)

حين نتحدث عن الدولة الإسلامية الأولى، فيجب أن نميز بين أمرين:

? الأول

وهو المفاهيم الأساسية في الدولة الأولى، والتي أصبحت نموذجًا ومقياسًا لكل العصور، عبر عنه المسلمون بلفظ"الخلافة الراشدة"تمييزًا له عن أي شكل آخر من أشكال الحكم الأخرى، ويمكن اختزال تلك الملامح في:

في النظام السياسي ... في البناء الاجتماعي

(1) سورة آل عمران: 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت