فهرس الكتاب
سبق من صحاحهم من الأحاديث المتكثرة المتواترة المعنى، يدل على ارتدادهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فضلا عن فسقهم. وزاد بعضهم في المجازفة والمخارفة؛ فحكم بأنهم كلهم كانوا مجتهدين!! وهذا يقطع من له أدنى عقل بفساده؛ لأنه كان فيهم الأعراب، ومن أسلم قبل موت النبي بيسير، والأميون الذين يجهلون أكثر قواعد الأحكام وشرائع الدين، فضلا عن الخوض فيه بالاستدلال. كيف؟! والاجتهاد ملكة لا تحصل إلا بعد فحص كثير وممارسة تامة، بغير خلاف. وإمكان حصول النفحة والاجتهاد لهم دفعة لا نمنعه، إلا أنه لا يقتضي الحكم بذلك؛ لأنه خلاف العلم العادي. والذي ألجأهم إلى هذا القول البارد السمج مع العصبية: ما قد تحققوه من وقوع الاختلاف والفتن بينهم، وأنه كان يفسق ويكفر بعضهم بعضا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، فحاولوا أن يجعلوا لهم طريقا إلى التخلص، كما جوزوا الائتمام بكل بر وفاجر؛ ليروجوا أمر الفساق الجهال من خلفائهم وأئمتهم [1] .
وقد وجه أهل السنة الطعن إلينا ببغض كل الصحابة وسبهم، وهذا جهل منهم، أو تجاهل؛ لأن بغضهم وسبهم جميعا لا يرضى به على وجه الأرض مسلم! وإنما هم عندنا على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال. أما معلوم العدالة: فكسلمان والمقداد، ممن لم يحل عن أهل البيت طرفة عين، أو أنه حال أو شك ثم رجع لما تبين له الحق، فنحن نتقرب إلى الله تعالى بحبهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة. وكتب الرجال التي عددناها عندنا مملوءة مشحونة بتعديل الجم الغفير منهم، والثناء عليهم بالجميل، بحيث لا يستطاع إنكاره، ولا يخفى على ذي بصر. وأما معلوم الفسق أو الكفر: فكمن حال عن أهل البيت، ونصب لهم البغض والعداوة والحرب، فهذا يدل على أنه لم يكن آمن وكان منافقا، أو أنه ارتد بعد موت النبي، كما جاء في الأخبار الصحيحة عندهم؛ لأن من يحب النبي لا يبغض ولا يحارب أهل بيته الذين أكد الله ورسوله كل التأكيد في مدحهم والوصية والتمسك بهم، وفي ما نقلناه - في ما تقدم - عن بعضهم من صحاحهم كفاية، وهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى وإلى رسوله ببغضهم وسبهم وبغض من أحبهم. وأما مجهول الحال: فكأكثر الصحابة الذين لا نعلم: خافوا الله تعالى ورغبوا في ثوابه فتمسكوا بأهل بيت النبي الذين أمر الله ورسوله بالتمسك بهم، أم انحرفوا عنهم