فهرس الكتاب
أولا: بأن الآية لا تدل على جواز ذلك بنحو الجزئية والشخصية، لأنها متعرضة لإعلام الرسول الأعظم: بأن من الناس من يكون حاله كذا، من دون توجيه إلى أشخاصهم، وكان في ذلك الإعلان إعلاما بلزوم التحفظ والاحتياط.
وثانيا: أن نفاق أمثال ابن مسلول كان على وجه فجيع، لما يذهبون في الوقت إلى أصدقائهم وشياطينهم، ويقولون إذا خلوا إلى شياطينهم: * (إنا معكم إنما نحن مستهزئون) *، بخلاف المنافقين الأولين، فإنهم ما كانت حالهم ذلك ولم يظهر لأحد نفاقهم الا بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى هذا ربما لا يجوز كشف الستر ورفع الغطاء لما فيه من خلاف سياسة التوحيد اللازمة في ذلك العصر الأول.
وأما توهم دلالة الآية الشريفة على جواز الدعاء عليهم والإجهار به، فهو غير صحيح، لما عرفت أن قوله تعالى: * (فزادهم الله مرضا) * ظاهر في الإخبار، ولا سيما بملاحظة الفاء، ومجرد إمكان كونه إنشاء لا يكفي لاستنباط الحكم الفرعي الشرعي. ومن هنا يظهر: أن توهم دلالة الآية على جواز الدعاء المستجاب، المنتهي إلى خسارة الناس وتضررهم الروحي وغيره، في غير محله، وذلك لما عرفت. نعم على تقدير كون الآية مشتملة على الدعاء فلا يبعد كونه من الدعاء المستجاب، فتدل على جواز أن يدعو أحد من المسلمين على أمثال المنافقين بما يتضررون به، ويقعون في الضلالة. ولكن أنى لكم بإثبات مثله، ودونه خرط القتاد. ومن العجيب ما كان يسألني بعض إخواني عن هذه المسألة من قبل: وهو أنه هل يجوز أن يدعو الإنسان على ضرر أخيه، مع علمه باستجابة دعائه؟ وهل يكون ضامنا عند وقوع الضرر والخسارة أم لا؟ والمسألة لا تخلو عن نوع من الإعضال، كما لا يخفى [1] .
أنه كيف جعل الله الحكم المذكور"وجوب التصدق بين يدي النجوى"مع عامه منذ الأزل بوقوع المانع!. والجواب: أن في جعل هذا الحكم ثم نسخه - كما فعله الله سبحانه - تنبيها للأمة، وإتماما للحجة عليهم. فقد ظهر لهم ولغيرهم بذلك أن الصحابة كلهم آثروا المال على مناجاة الرسول الأكرم، ولم يعمل بالحكم غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام [2] .