فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 160

فعندما عَلِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أثناءَ الحصارِ بما حصلَ من اليهودِ من نقضِ عهدٍ انتَدَبَ الناسَ؛ أي: طلب منهم من يخرجُ ويأتي له بخبرِ بني قريظةَ ويتأكَّدُ له من صحةِ خبرِ نقضِهِم لعهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكان الصحابةُ في هذه الغزوةِ كما قال اللهُ - عز وجل - قد ... وكان الخوفُ قد أثَّرَ فيهم ودبَّ في أنفسهم، والعدوُّ محاصِرٌ للمدينةِ، والجوعُ قد أرهقَهم، والتعبُ والنصبُ قد غَيَّمَ عليهم، فكانت الحالُ في هذه الغزوةِ حالًا شديدةً جدًا. فلما طلبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من يأتيه بخبرِ القومِ لم يأتِهِ أحدٌ ما عدا الزبير - رضي الله عنه -، والزبيرُ - رضي الله عنه - كما تعلمونَ هو ابنةُ عمةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنُ صفيةَ بنتِ عبدِ المطلب، وكانت صفيةُ رضي الله عنها تُرَبّيهِ تربيةً شديدةً وتقسو عليه أحيانًا لكي ينتَفِعُ ويخرجُ رجلًا مقاتلًا قويًا، حتى أنها كانت تضرِبُه لتأديبِه وترويضِه وتعليمِه فيقال لها: قتلتِ الغلامَ، فكانت تقول:

إنما أضربُه لكي يلبْ ... ويهزم الجيشََ ذا الجلبْ.

فكان شجاعًا كما أرادت صفيةُ رضي الله عنها مقاتِلًا، وهو أولُّ من حملَ سيفًا في سبيلِ الله وهو غلام.

فقال الزبيرُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - (أنا) ، فأرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينظرَ هل يقومُ أحدٌ غيرَ الزبير، فقال لأصحابه:"من يأتيني بخبرِ القوم للمرةِ الثانية"، وهذا لاختبارِ بقيةِ الصحابة، وفي نفسِ الوقتِ لتأكيدِ حِرْصِ الزبيرِ أن يذهبَ هو في هذه الظروفِ الحالكةِ لكي يأتيَ بخبرِ القوم. فقال الزبيرُ (أنا) ثم قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مرةً ثالثةً كما في الروايةِ الأخرى:"من يأتيني بخبرِ القوم"؟ فقال الزبيرُ: (أنا) ثلاثَ مراتٍ ينتدبُ فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناسَ فيستجيبُ الزبيرُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جزاءً لهذا الفعلِ من الزبيرِ وبيانًا لمنزلَتِه وفضله:"إن لكلِّ نبيٍّ حواريًا، وإن حواريَّ الزبيرُ".

(والحواري) ؛ هو: الصديقُ الخالصُ، سُمِّيَ بذلك لأن الحواريَّ هو الدقيقُ الأبيضُ النقيُّ. فالصديقُ الخالصُ الذي لا شائبةَ بينَه وبينَ صديقِه والمقربِ إليه والمحببِ يُطلَقُ عليه الحواري، وهذا قولُ من الأقوالِ التي قِيلَتْ في تسميةِ الحواريينَ بذلك الذين هم خُلَّصُ أصحابِ المسيحِ عليه السلام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن لكل نبي حواريًا"؛ يعني: لكل نبيٍّ رجلٌ مخلَصٌ مقرَّبٌ إليه من أصحابِه، وإنما هذه المنزلةُ للزبيرِ - رضي الله عنه -.

واستنبطَ البخاري من هذا فضلَ الطليعةِ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا الثناءَ على الزبيرِ لحِرْصِهِ أن يكونَ عينًا للمسلمينَ على ما حصلَ من المشركين ويستطلعَ لهم أخبارَهم ويُعلِمَهُم بما حصلَ منهم، فكأنه يرى أن كلَّ من فعلَ ذلك استحَقًّ أن يكون له منزلةٌ خاصةٌ عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالتالي عند المؤمنين. فهذا توجيهُ الترجمةِ لهذا الحديثِ بفضلِ الطليعةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت