فهرس الكتاب
64 ـ حدثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدثنا أبو شهاب، عن خالدٍ الحَذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قال: انصرفتُ من عندِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لنا ـ أنا وصاحب لي ـ:"أذِّنا وأقيما ولْيَؤُمُّكما أكبرُكما".
ذكر الإمامُ البخاريُّ رحمه الله في هذا البابِ ما يدلِّلُ على جوازِ سفرِ الاثنين. فإذا احتيجَ إلى إرسالِ الطليعةِ أو إرسالِ العيونِ أو ما يسمى بالجواسيسِ، فيمكنُ أن يرسَلَ الواحدُ بناءً على حديث انتدابِ الزبير - رضي الله عنه -، ويمكن أن يرسَلَ رجلان استنادًا على حديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِث، وإن كان هذا الحديثُ ليس في الجهادِ، وإنما خَبَرُه أنه قَدِمَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شَبَبَةٌ متقارِبون وهم مالكُ بنُ الحويرثِ وشبابٌ معه من قومه، فقضَوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - مدةً يتعلمون فيها الصلاةَ وأحكامَ الدِّينِ والقرآنَ، وكانوا ليس معهم أزواجُهم، فشعرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنهم اشتاقُوا إلى أهليهم، فأذنَ لهم بالانصرافِ، وكان أولَّ من انصرفَ مالكُ بنُ الحويرث وصاحبٌ له، فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم:"أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما"، ففي هذا الحديثِ إقرارٌ من النبي بسفرِ الاثنين، وهو يتعارضُ مع بعضِ الأحاديث التي وردتْ في ذمِّ المسافرِ وحدَه والمسافِرَيْنِ وحدهما، ففي الحديثِ الحسنِ الذي رواه أصحابُ السننِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم:"الراكبُ شيطانٌ، والراكبان شيطانانِ، والثلاثةُ رَكْبٌ".
وفَهِمَ بعضُ أهلِ العلمِ منه أن الذي سافرِ وحدَه عاصٍ لله ولرسوله، وكذلك اللذان يسافرانَ وحدهما أيضًا يقعان في المعصية؛ لأن التعبيرَ بكلمة (شيطان) يُدَلل على أنه عاصٍ وخارجٌ عن الطاعة
ولكن هناك من أهلِ العلم من قال: إن هذا محمولٌ على الزجرِ والتأديبِ وليسَ على التحريم، وهذا من بابِ الرِّفْقِ بالمسافرِ والمسافرَين، لأن الذي يسافرُ وحدَه يتعرضُ للوحشةِ، والاثنان لا يحصلُ بينهما التعاونُ الكاملُ التامُ، ولأجلِ هذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السفرِ للإنسانِ بمفردِه أو بصحبةِ واحدٍ فقط، فلو ماتَ أحدُهما مثلًا لا يمكن للثاني أن يقومَ بدفنِه وأمورِه لأنه لا يجدُ من يُعينه، فهذا هو المحملث.
والحديثُ الذي ذكرناه في البابِ يدلل على جوازِ ذلك وإن كان الأَوْلى أن لا يحصلَ.
وأنَبِّهُ هنا على نقطة، أن المرادَ الذي يسافرُ وينقطعُ وحدَه، وأما في أيامِنا الآن، فالذي يسافرُ وحده بمعنى يركبُ طائرةً أو سيارةً ينتقل فيها مع مجموعةٍ كبيرةٍ من الناس، فهذا لا يُعتَبَرُ أنه يسافرُ وحده وإنما هو مسافرٌ في جماعةٍ.
وكذلك الذي يسافرُ في الطرقِ البريةِ والسياراتُ أمامَه وخلفَه، هذا لا يُعتَبَرُ مسافرًا وحده، فهذه نقطةٌ مهمةٌ جدًا يُنظَرُ لها ويُنْتَبَهُ إليها، وإنما المرادُ الذي ينفردُ وحدَه في البرِّيَّة ليس أمامَه أحد وليس خلفَه أحدٌ، فإذا حصل له شيءٌ لا يجدُ من يقومُ به، وكذلك إذا أرادَ معونةً لا يجدُ أحدًا يعينُه، وأيضًا ينفردُ به الجنُّ والشياطينُ. والله سبحانه وتعالى أعلم.