فهرس الكتاب
هذا البابُ مرتبِطٌ بالبابِ السابقِ؛ لأن الإمامَ البخاريَّ رحمه الله أدرَجَ فيه الحديثَ الذي ذكرناه في البابِ السابقِ ولكنه استدَلَّ به من وجهةٍ أخرى، وهي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"إنما دخلَ في ذلك ما يُستفادُ منه أن الجهادَ مستمِرٌّ من زمنه - صلى الله عليه وسلم - إلى يومِ القيامة، ولا شكَّ أنه خلالَ هذه الفترةِ سوف يكون هناك أئمةُ جَوْرٍ وأئمةُ عدل، وقد ثبتَ هذا في أحاديثَ كثيرةٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه بيَّنَ أن هناك من سيملِكُ هذه الأمةَ من أهلِ الجَوْرِ والبغي، ومع ذلك فإنه بينَ أن الجهادَ ماضٍ إلى يوم القيامة. وقد جاء لفظُ الترجمة وهو (الجهاد ماض مع البَرِّ والفاجرِ) في بعضِ الأحاديثِ المرفوعةِ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان فيها شيءٌ من الضعف.
والجهادُ مع الإمامِ الجائرِ أو الفاجرِ هو مذهبُ أهلِ السنة الجماعة؛ فإن أهلَ السنة والجماعة يَرَوْنَ طاعةَ الإمامِ وإن كان فاجرًا ويرَوْنَ الجهادَ معه، وهذا بالنسبةِ لجهادِ الطَّلَبِ، وأما جهادُ الدَّفْعِ كما قلنا فإنه لا يُنظَرُ أصلًا إلى الإمامِ فيه لأنه وإن كان الإمامُ كافرًا وإن كان الإمامُ غيرَ موجودٍ أصلًا، فإن جهادَ الدفعِ باقٍ ولا يمكنُ أن يُترَكَ لعدَمِ وجودِ إمامٍ أو لكفره.
وأما حديثُنا هنا، فإنه متعلِّقٌ بجهادِ الطلبِ وهو الغزوُ في سبيلِ الله، ومع ذلك فإن من منهجَ أهلِ السنة والجماعةِ أن يقاتلوا تحت رايةِ الإمامِ الفاجرِ حتى وإن كان الجهادُ جهادَ طَلَبٍ.
وهذا الحديثُ يؤيِّدُهُ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِّ يقاتلون إلى يومِ القيامةِ لا يضُرُّهم من خَذَلَهم"، وهذا يُدَلّلُ أيضًا على استمرارِ الجهاد إلى يوم القيامة.
وقد ذكر كثيرٌ من أهلِ العلمِ ومنهم شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله أن أكثرَ الأئمةِ وأكثرَ الأزمنةِ التي مرَّتْ على عصورِ المسلمين إنما كانت تحتَ ولايةِ الظالمِ والمستبدِ والفاجرِ، فلو قيل لا يقاتَلُ تحتَ رايتِهم لأُوقِفَ الجهادُ ولبطَلَتِ الدعوةُ إلى الله - عز وجل - المؤيَّدةُ بالسيفِ، وهذا باطلٌ لا يُقبَلُ، وهذا كما ذكرنا لم يذكُرْه أهلُ السنةِ والجماعة وما انتهجوه، ومن خالفَ في ذلك فهو مخالفٌ لمنهجِ أهلِ السنة والجماعةِ والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب من احتبسَ فرسًا في سبيلِ الله. لقوله تعالى:
69 ـ حدثنا عليُّ بنُ حفصٍ، حدثنا ابنُ المبارَكِ، أخبرنا طلحةُ بنُ أبي سعيدٍ قال: سمعت سعيدًا المَقْبُرِيُّ يحدث أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من احتبسَ فرسًا في سبيلِ الله، إيمانًا بالله وتصديقًا بوعدِه، فإن شِبَعَه ورِيَّهُ وروثَهُ وبَوْلَهُ في ميزانِه يومَ القيامة".
هذا الحديثُ يعتَبَرُ اختصارًا للحديثِ الطويل الذي رواه أبو هريرةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجرٌ ولرجلٍ وِزْرٌ ولرجلٍ سِتْرٌ".