فهرس الكتاب
والحديثُ هنا يذكرُ أن الخيلَ يرتَبِطُ بها الخيرُ إلى يومِ القيامة، أي: البركةُ والخيرُ العميمُ، وقد فُسِّرَ الحديثُ كما قلنا بالأجرِ والمغنمِ. فالأجرُ هو الحاصلُ يوم القيامة؛ فإن الله - عز وجل - يُجزِلُ العطاءَ لصاحبِ الخيلِ كما سيأتي تفصيلُ ذلك بصورةٍ لا يمكنُ أن تُتَخَيَّلَ، حتى أن كُلَّ قطرةِ ماءٍ تدخلُ في بطنِ هذا الفرسِ وهذا الحصانِ يكتَبُ لصاحبِه الأجرُ بذلك، بل إن كلَّ رَوْثَةٍ تخرجُ منه وبولَةٍ يبولُها يكتبُ له بذلك أجرٌ. فهذا من الخيرِ المذكورِ في هذا الحديثِ.
وأما المغنَمُ؛ فإن الذي يقاتلُ على الخيلِ يصيبُ المغنمَ في الدنيا، وهذا من الخيرِ المتعلِّقِ بهذه الخيولِ، وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". وتحديدُ الغايةِ بيوم القيامةِ دليلٌ على استمرارِ الجهادِ إلى يومِ القيامة حتى يرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، وهو مصداقُ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ"، فالجهادُ ماضٍ إلى يومِ القيامةِ، وسوف يأتي في البابِ القادمِ ما يتعلقُ بذلك أيضًا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم إن الحديثَ الذي ذكره البخاريُّ رحمه الله ذَكرَ فيه نكتةً حديثيةً وهي: أن الإمامَ الشعبيَّ رحمه الله روى هذا الحديثَ عن عروةَ بنِ الجعدِ، والذي رواه عنه عن عروةَ بنِ الجعدِ هو حصينٌ وابنُ أبي السَّفَرِ، ثم ذكر البخاريُّ أن سليمانَ روى هذا الحديثَ عن شعبةَ فقال فيه: عن عروةَ بنَ أبي الجعدِ، فزاد فيه كلمةً (أبي) ، وكذلك تابعَ سليمانَ عن شعبةَ مسدَّدٍ عن هُشَيْمٍ عن حصينٍ عن الشعبيِّ فقال: عروةَ بنَ أبي الجعدِ. يعني: حصلَ اختلافٌ في اسمِ الراوي، وهذا الذي أرادَه الإمامُ البخاريُّ وبيَّنَ ذلك في هذا الكلامِ.
ثم ذكر حديثَ أنسِ بنِ مالٍك - رضي الله عنه -"البركة في نواصي الخيل"، وهو متَّصِلٌ بنفسِ المعنى السابق، فإن قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (البركة في نواصي الخيل) يتفق مع قوله (الخيل معقود في نواصيها الخير) ولكن هذا أصرحُ بارتباطِ البركةِ بالناصيةِ، ولذا فإن الحافظَ ابنَ حجرٍ رحمه الله اعتبرَ هذا الحديثَ مُقَويًا لقول من قال: إن البركةَ تختَصُّ بالناصيةِ، وقلنا: إن هذا ليسَ بذلك، والأولى على كلِّ حالٍ الخروجُ من خلافِ العلماءِ بعَدَمِ جَزِّ ناصيةِ الخيلِ والإبقاءِ عليها، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب الجهادُ ماضٍ مع البّرِّ والفاجرِ لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم:"الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرَ إلى يومِ القيامةِ".
68 ـ حدثنا أبو نُعَيْمٍ، حدثنا زكرياءُ، عن عامرٍ، حدثنا عروةُ البارقيُّ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرَ إلى يومِ القيامةِ". الأجر والمغنم.