فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 160

وأخطأ وليستِ الناصيةُ فقط والناصيةُ جزءٌ منه، فليس المرادُ الناصية فقط. وكذلك في الحديث هنا ذهب الكثيرُ من أهلِ العلم أن إطلاقَ الناصيةِ في هذا الحديث أُريدَ به الكلُّ، وهذا سائغٌ في اللغة كما ذكرنا، سواء سُمي ذلك بالمجازِ أو سمي بالأساليبِ الجائزةِ في لغة العرب. وهناك من أهل العلم من قال: إن ذلك مختصٌّ بالناصية، واستدلوا على ذلك بحديثٍ رواه الإمام أبو داود، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تقصوا نواصيَ الخيلِ ولا أذنابَها ولا أعرافَها"، وهذا الحديثُ حديثٌ ضعيفٌ لا يثبت. والأولى بالمسلمِ أن لا يَجُزَّ الناصيةَ خروجًا من الخلافِ بين العلماء، والله أعلم

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (الخيل في نواصيها الخير) ؛ والخيرُ هنا: المرادُ منه كما جاء في لفظِ الحديث المفسرةِ له الأجرُ والمغنمُ. والخيلُ يطلَقُ عليها عمومًا (الخير) وذلك لما فيها من الخيرِ والبركة. والله - عز وجل - يقول في كتابه عندما ذكر قصةَ سليمانَ عليه السلامُ ... ، يعني: حبَّ الخيلِ، فأطلق على الخيلِ كلمةَ الخيرِ، والخيرُ مرتبطٌ بالخيلِ دائمًا كما ذكرنا، إلا أنه يُشكِلُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء عنه في بعضِ الأحاديث أنه قال:"إن كان الشؤمُ في شيءٍ ففي الفرسِ والمرأةِ والدارِ"، وهذا الحديثُ له ألفاظٌ كثيرةٌ، واختلافه كبير وكلامُ العلماءِ فيه كلامٌ مفصَّلٌ، وفيه نزاعٌ بين أهلِ العلم في مسألةِ تعَلُّقِ الشؤمِ في هؤلاءِ الثلاثة.

فمنهم من ذهب إلى أن المعنى على ظاهره، وأن هذه الثلاثةَ مستثناةٌ من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التَّطَيُّرِ وهو التشاؤم.

ومنهم من له شرحٌ لهذا الحديث وتأويلٌ يبين أن المرادَ ليس كما ذهب إليه هؤلاء، وهناك أحاديثٌ ورواياتٌ تدلل على معنى الشؤم في هذه الثلاثة؛ فالشؤمُ في المرأةِ إنما يكون في سوء خُلُقِها وعُقْمِها، فهذا نوعٌ من الشؤم، بمعنى: أنه ضررٌ ملازمٌ لصاحبه، فإن لم يتخلصْ منه بقي معه كما يحصُلُ في حالِ التشاؤم، فدائمًا وجودُ هذه المرأةِ مع هذا الرجلِ يشمُل هذه الأضرارَ.

وكذلك الشؤمُ في الدار؛ أن تكون الدارُ ضيقةً، والجارُ الذي يجاورُ هذه الدارَ جارٌ مؤذٍ وهو مقيمٌ بصفةٍ دائمةٍ، فإن هذه الدار أيضًا من الأمورِ التي تلازمُ صاحبَها، فضررُها يستمِرُّ معه.

وأما الفرسُ فإن من شؤمِِها أن لا تكونَ في سبيل الله ولا يجاهَدَ عليها ولا يقاتَلَ عليها، وإنما جُعِلَتْ للأشرِ والبطرِ، فهذا من الشؤمِ لأنه من الضررِ اللازمِ، لأنها تَضُرُّ صاحبَها في الدنيا والآخرة.

فهذا هو معنى الشؤمِ في هذا الحديثِ، وعليه فلا يتعارضُ مع حديثِنا الذي يذكُرُ أن هذه الخيلَ بركةٌ وخيرٌ على صاحبِها؛ لأننا قلنا إن المرادَ هنا الخيلُ التي تُرتَبَطُ في سبيلِ الله وللجهادِ في سبيلِ الله، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت