فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 160

سبيله. وأما الذي وِزْرٌ فهو الذي احْتَبَسَها أشرًا وبطرًا. وأما الذي ارتَبَطَها لِيَتَّجِرَ فيها فإنها له سِتْرٌ طالما كان يؤدي حقَّ الله - عز وجل - فيها، وسوف يأتينا هذا مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.

إذًا، المرادُ من قوله (الخيل في نواصيها الخير) ؛ أي: لمن ارْتَبَطَها للجهادِ في سبيل الله

ثم قوله (في نواصيها الخير) ؛ النواصي: جمعُ ناصيةٍ. والناصيةُ هي: الشعرُ الذي يكون في مُقَدِّمَةِ الرأس. والخيلُ مشهورةٌ بنواصيها الطوالِ التي تُجَمِّلُها ويَهتَمُّ بمسحها أصحابُها. والناصيةُ مكانٌ مشرَّفٌ في كل شيءٍ غالبًا؛ فناصيةُ الإنسان هي مقدمةُ رأسِه، والله - عز وجل - يقول: ... ، ويقول: ... . فتُطلَقُ الناصيةُ لأنها أشرفُ ما في الجسدِ، ويرادُ بها الكلُّ. وهذا يُدْخِلُنا في مسألةٍ وهي ما يسمى بالمجازِ؛ وجمهورُ أهلِ العلم أن المجازَ جائزٌ في القرآن والسنة، لأن القرآنَ نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، والسنةُ كذلك باللسانِ العربي الفصيحِ المبين. فالمجازُ مسألةٌ اصطلاحيةٌ ظهرتْ في كلامِ العربِ، فهي كذلك موجودةٌ في القرآنِ والسنةِ.

وهناك من أهلِ العلم من نفى أن يكون المجازُ في الكتاب والسنة وردَّ على بعضِ الأدلة التي استدلَّ بها جمهورُ العلماء، والذي يظهرُ أن المسألةَ كلَّها إنما هي خلافٌ لفظيٌّ؛ فإن من نفى المجازَ اعتبرَ أنه أسلوبٌ معروفٌ عند العربِ ولم يطلِق عليه كلمةَ (المجاز) وإنما قال: تُعرَفُ معنى الكلمةِ من خلالِ السياق، وهذا الذي خرجَ به من ردَّ المجازَ. والخلاصةُ أن الذي ردَّ المجازَ إنما ردَّه لأن هناك من تَذَرَّعَ به من أهلِ الفِرَقِ الضالّةِ لنفْيِ صفاتِ الله - عز وجل - وليس ذلك بلازمٍ، فإنه لأهلِ هذه الفرقِ أن يقولوا أيضًا: إن الذي نقولُه إنما هو أسلوبٌ عند العربِ وعُلِمَ ذلك من السياقِ ويَترُكوا كلمةَ المجاز التي وقع فيها الخلافُ. وعلى كل حالِ فإن صفاتِ الله - عز وجل - لا يمكنُ أن يُتذَرَّعَ لنفيها بالمجازِ عند القائلين به؛ لأن اللجوءَ إلى خلافِ ظاهرِ اللفظِ لا بدَّ له من دليلٍ يَصْرِفُ اللفظَ عن ظاهره، والكلامُ في صفات الله - عز وجل - فرعٌ عن الكلامِ في ذاته، فلا نستطيعُ أن نتكلمَ في الصفاتِ كما لا نستطيعُ أن نتكلمَ بالذات؛ فإننا ما أحَطْنا بذاتِ الله فكيف نحيطُ بصفاته ولذا فإن مذهبَ أهل السنةِ والجماعةِ أن صفاتِ الله - عز وجل - لا تشبِهُ صفاتِ المخلوقين، وأن صفات الله - عز وجل - نثبتُها له كما يليقُ بجلاله من غير تشبيهٍ ولا تعطيلٍ ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ.

حديثنُا الآن الذي نتكلمُ عنه فيه شاهدٌ لمن قال بالمجازِ، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقود في نواصيها الخير". فهل الخيرُ متعلقٌ بالناصيةِ فقط؟ يعني: لو كان الفرسُ لا ناصيةَ له أو جُزَّتْ ناصيتُه فهل لا يؤجَرُ أو لا يعقَدُ فيه الخيرُ من أجرٍ ومغنمٍ؟ والجواب: أن الذي يظهرُ أنه ليس كذلك وإنما هو كقوله تعالى: ... فالناصية لم تكذِبْ ولم تخطئ، وإنما المرادُ صاحبُ الناصية وهو كلُّ الكافر، فهذا الكافرُ هو الذي كذبَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت