فهرس الكتاب
عنه، ثم رآه أبو قتادةَ بنفسه فركِبَ فرسًا له يقال لها الجرادةَ، وهذا هو الشاهدُ من الحديثِ أن فرسَ أبي قتادة - رضي الله عنه - كان يسميها الجرادةَ. وهذا في مجتمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكأن ذلك كان مشهورًا بينهم وليس عليه نكيرٌ، فدخلَ في الإقرارِ النبويِّ بالإضافةِ إلى ما يأتي من النصوصِ التي تدلل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلُ ذلك أيضًا. فركب فرسًا يقال لها الجرادةَ، (فسألهم أن يناوِلُوه سوطَه فأبَوا) فنزلَ هو وتناول السوطَ (ثم حمل) أي: اشتدَّ في الحملِ على دابَّتِهِ المسماةِ الجرادةِ واستطاعَ أن يصطادَ الحمارَ الوحشيَّ فعقَرَه ثم أكلَ منه، ولما أكل منه أكلَ معه أصحابُه ثم ندموا خوفًا من أن يكون أكلُهم وهم محرِمُون من هذا الصيدِ لا يجوز، فلما أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوه، وجاء في بعض الرواياتِ أنه استفسَرَ منهم هل أعانَه أحدٌ أو أشارَ إليه فقالوا: لا يا رسولَ الله، فقال: كُلُوا، ثم قال: هل معكم منه شيءٌ؟ فقالوا له: معنا رجلُه، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا اللحمَ المتبقيَ معهم وأكلَ منه تطييبًا لخاطِرِهم ولبيانِ أن المحرِمَ إذا صِيدَ صيدٌ ليس له خصوصًا ولم يُعِنْ عليه جازَ له أن يأكلَ منه، وهذا هو الحكمُ الذي نَخْلُصُ إليه من خلالِ الأحاديثِ الواردةِ في هذه المسألةِ، لأن هناك بعضَ الأحاديثِ تُدَلِّلُ على عدمِ جوازِ أكلِ المحرمِ من الصيدِ، والبعضُ الآخرُ فيه ما يُدللُ على جوازِ أكلِ المحرِمِ من الصيدِ كما في حديثِ الباب الآن، والجمعُ بينها أن الأحاديثَ التي تُدَلّلُ على المنعِ إنما هي لأن هذا الصيدَ صِيدَ للمحرِم كما حصل من بعضِ الصحابة أنه اصطادَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارَ وحشٍ فردَّه عليه وقال له:"إنا لم نَرُدُّه عليك إلا لأنا مُحرِمُون"، وقد كان هذا الصحابيُّ إنما صادَ هذا الحمارَ لأجلِه - صلى الله عليه وسلم -. وأما في هذا الحديثِ فلا يوجَدُ هذا المانعُ ولم يَصِدْ أبو قتادةَ هذا الحمارَ لأجلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا لأجلِ أحدٍ من هؤلاءِ المُحْرِمين، وإنما صادَه لأجلِه هو، ثم إنه لم يُعِنْهُ أحدٌ من المحرِمين عليه وإلا لو أعانَه أحدٌ لحَرُمَ ذلك على من أعانَه. والله تعالى أعلم.
الحديثُ الآخر الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله، وهو عن سهلِ بنِ سعدٍ قال (كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حائطنا فرس) ، والحائط: يُطلَقُ على المزرعةِ. فكان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مزرعتِهم فرسٌ (يقال له اللحيف) ، وهذا جزءٌ من الحديثِ وهو الشاهدُ المرادُ هنا. وكلمة (اللحيف) ؛ اختلفَ أهلُ العلم في ضَبْطِها وهو اسمُ هذا الفرسِ، فمنهم من ضَبَطَها هكذا بالتصغيرِ (اللُّحَيف) ، ومنهم من ضبطها (اللَّحِيف) على وزنِ رغيف. واللحيفُ مأخوذ من اللحفِ، والمرادُ أنه صاحبُ ذَنَبٍ طويلٍ يلحفُ الأرضَ به.
وقال الإمام البخاري رحمه الله (وقال بعضهم: اللخيف) واللخف هو الضَّرْبُ، فلعلَّ المرادَ بتسميتِه بذلك أنه يَضْرِبُ بشدةٍ بمعنى أنه قوي، والمحفوظُ في الرواياتِ المعتمدة (اللحيف أو اللحيف) وأما (اللخيف) فذكرها هكذا الإمامُ البخاري في آخر الروايةِ هنا ولم يُسْنِدْها في حديثه.