فهرس الكتاب
ونلاحظُ هنا أن التسميةَ قد يكون فيها تعلُّقٌ بصفةٍ معينة للدابةِ أو للآلة كما يسمى السيفُ بالبتارِ، فمثل هذا التسمياتِ تتعلقُ بصفةٍ تكون في الدابةِ أو في الشيء المسمى. وأحيانًا تكون من باب التفاؤلِ بإطلاقِ اسمٍ عليه يُشعِرُ بالقوةِ وبالفألِ الحَسَنِ عند استخدامِ هذه الدابةِ أو هذا السيفِ ونحوه.
ثم ذكر الحديثَ المشهورَ عن معاذٍ - رضي الله عنه - وفيه (كنتُ ردف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حمارٍ يقال له عُفَيْرٌ) ، والشاهد في هذا قوله (على حمار يقال له عفير) فهذه تسميةٌ أيضًا لحمارِ كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - واسمه عفير ـ بالتصغير ـ من التعفيرِ وهو إصابةُ الغبارِ والأتربةِ، ومعروفٌ أن الحمارَ يُحِبُّ أن يعفرَ جسدَه بالترابِ، فلعل هذا هو سبب التسمية.
وفي هذا الجزءِ دلالةٌ على تواضعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان لا يستنكِفُ عن ركوبِ دابةٍ مثلِ الحمارِ، وكذلك يُزادُ عليه أنه يُردِفُ وراءَه غيرَه. وهذا فيه أولًا تأكيدٌ للتواضعِ، وفيه أيضًا جوازُ الإردافِ على الدابة، وهذا قد بَوَّبَ له البخاريُّ في كتابِه في أبوابِ الآدابِ فذكر منها هذا الأدب.
ثم قال (يا معاذُ، هل تدري ما حقُّ الله على عبادِه وما حقُّ العبادِ على الله) وهذا من الأسلوبِ التعليميِّ التربوي الذي كان يسلُكُه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابِه، فربما ابٍتَدَأهم بمثلِ هذه الطريقة وهذا الأسلوبِ فيطرَحُ سؤالًا عليهم ثم بعد ذلك يُجيب عليه من بابِ التشويقِ لهم وإعمالِ الذِّهنِ ولفتِ الانتباهِ والتركيزِ معه - صلى الله عليه وسلم -. فقال لمعاذٍ: (يا معاذ هل تدري ما حقُّ الله على عباده وما حق العباد على الله) ؟ هكذا أوردَ السؤالَ. فكان من معاذٍ أن قال له (الله ورسولُه أعلم) لأنه يريد أن يستفيدَ، وكان من الممكنِ أن يجتهدَ ويُجيبَ ولكنه أرجعَ الأمرَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن العلمَ عند الله وعند رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أدبٌ نحاولُ أن نتأسّى به وهو عدمُ الدخولِ فيما لا نعرفُ أو لا نتأكدُ منه من العلم وإنما يُرجَعُ العلمُ لأهله حتى لا يحدُثَ خَلْطٌ وتَقَوُّلٌ على الله - عز وجل - بلا علم.
فقال (الله ورسوله أعلم) وهذا ليس عيبًا بل كلمةُ (الله أعلم) هي نصفُ العلم.
ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - له (فإن حقَّ الله على العبادِ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) يعني: أن هذا هو الحقُ العظيمُ الذي لأجلِه سبحانه وتعالى خَلَقَ الخلقَ وأرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتب، وهو إفرادُ الله جلَّ وعلا بالعبادة، ولا شكَّ أن التوحيدَ هو أساسُ كلِّ شيءٍ فإن الله - عز وجل - قال: ... فكلُّ الذنوبِ في مجالِ المغفرةِ والصفحِ وإن عُوقِبَ عليها المسلمُ فإن مآلَه إلى الجنة، وأما الشركُ والعياذُ بالله فإنه لا يُغفَرُ وصاحبُه لا يُغفَرُ له وهو مخلَّدٌ في النار، ولأجلِ هذا شَدَّدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيانِ هذا الحقِ فأخبرَ أن حقَّ الله على العبادِ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وقوله (ولا يشركوا به شيئًا) بعد قولِه (أن يعبدوه) لأنه قد تحصُلُ