فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 160

العبادةُ ولكن يحصلُ معها الشركُ فلا بدَّ من إخلاصِ العبادةِ وهو أن يُعبَدَ الله ثم لا يشركَ به كما في قوله (لا إله إلا الله) أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله.

(وحق العبادِ على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشركَ به شيئًا) فإذا جاء المسلمُ قد أخلَصَ العبادةَ لله - عز وجل - ولم يشرِكْ به شيئًا فخلُصَ من الشركِ الأصغرِ والشرك الأكبرِ والشرك الخفيِّ، فإن الله - عز وجل - لا يعذِّبُ من أتاه لا يشركُ به شيئًا. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - عز وجل - في الحديث القدسي:"يا ابنَ آدم إنك لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثم أتيتَني لا تشركُ بي شيئًا غفرتُ لك ذلك على ما كان منك ولا أبالي".

ولكن هناك نقطةٌ أساسيةٌ؛ أنه لا يخلُصُ المسلمُ من الشركِ خَلُوصًا تامًا كاملًا ويعبد الله - عز وجل - مخلصًا له الدينَ إلا وغالبًا لا يكون من أهلِ الكبائرِ وإنما يقع فيما يمكنُ أن يقعَ فيه جلُّ الناسِ من الصغائر، ولأجل هذا فإن الله يغفرُ له ما كان منه.

فقال معاذٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - من حرصِهِ على الخيرِ ورغبَتِه في نفعِ إخوانِه وتبشيرِهم (قال: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ به الناسَ) وهذا أدبٌ عظيمٌ يا أخوان؛ حرصُ الصحابةِ رضي الله عنهم على الخيرِ للناس وعلى تبشيرِهم بما يُفرِحُهم ولا يُقَنِّطُهم من رحمة الله - عز وجل -. وكثيرٌ من الناسِ الآن يحبون أن يتصيَّدوا الخطأَ لإخوانِهم، وهذا خلافُ هذا المنهجِ النبوي الذي أقرَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من خُلُقِ معاذٍ - رضي الله عنه -، فإن معاذًا إنما أرادَ أن يبشرَ الناسَ ولم يُنْكِرْ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الرغبةَ وهذا الإحساسَ ولكنه جعل ذلك الأمرَ متعلقًا بالخوفِ من اتكالِهم على هذه البشارةِ العظيمةِ لقِلَّةِ عِلمِ بعضِهم؛ فإن البعضَ ربما إذا سمع هذا الحديثَ وهذه البشرى ترك العملَ وقَصَّرَ، وهذا أولًا قد يُوقِعه في الشركِ وإن لم يكنْ من النوعِ الأكبرِ، ولكنه قد يقع في الشركِ الأصغرِ بسببِ التهاونِ، وكذلك قد يُنقِصُ ذلك من أجرِه ومنزلَتِه ومرتَبَتِه عند الله يومَ القيامة، وهذه مفسدةٌ تترتبُ على هذه البشرى فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال له (لا تبشرهم فيتكلوا) حتى لا يعتمِدُوا على هذه البشرى فيحصلُ لهم الاتكالُ، ولم يُنكِرْ عليه رغبَتَه بالبشرى وإحساسَه المرهَفَ تجاهَ إخوانِه. وقد بشَّرَ بذلك معاذٌ قبل أن يموتَ تحرُّجًا وتأثمًا أن يكون قد كَتَمَ علمًا، ومعناه أنه قد فهمَ من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك على سبيلِ إخبارِ العامةِ الذين يُخشى منهم أن يتكلوا من خلال هذا الحديث، فالمرادُ به من يتصفُ بصفةٍ خاصةٍ من الناسِ وهم من يحصُلُ منهم إشكالٌ، وليس المرادُ منه كتمَ العلمِ وعدمَ إظهارِ هذا الحديثِ للناس، لأن هذا داخلٌ تحت كتمانِ العلم الذي يحتاجُ إليه الناس، وهذا لم يُرِدْهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ثم ذكر الإمامُ البخاري رحمه الله حديثَ أنسٍ - رضي الله عنه - في الفزَعِ الذي كان في المدينة، وقد تكلَّمنا على هذا الحديثِ فيما سبقَ وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أولَّ من ذهبَ واستطلَعَ الخبرَ قبلَ أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت