فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 160

الغزوِ فإن عَمَلَها محدودٌ فيما يُحتاج إليها فيه كسقايةٍ أو تمريضٍ لمحارِمِها ممن يَحْتاج إلى تمريضٍ أو نحوِ ذلك كصَنْعَةِ طعامٍ للعَسْكَرِ أو صياغةِ ملابسٍ لهم ونحوِ ذلك. فهذا هو غَزْوُ المرأةِ، ولا يُقْسَمُ لها بسهمِ، لأن الأصلَ أنها لا تُقاتِلُ إلا إذا احتاجَتْ إلى ذلك دَفْعًا عن المسلمينَ وعن نفسِها خاصةً إذا تَعَرَّضَتْ لِسَبْيٍ؛ فيُرْضَخُ لها من الغنيمةِ أو يُجْعَلُ لها من الغنيمةِ ليسَ على سبيلِ السَّهْمِ الذي يُسْهَمُ به لمن يُقاتِلُ من الرِّجالِ.

فلما قالت (ادعُ الله أن يجعلَني منهم) دعا لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

والشاهدُ في الحديثِ أنها دَعَا لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكونَ من الغُزاةِ في سبيلِ الله الذينَ يُكتَبُ لهم هذا الأجرُ العظيمُ. وقد حَصَلَ لها ذلك بالشهادةِ أيضًا في سبيل الله كما سيأتي.

ثم نامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فعُرِضَ عليه جماعةٌ أخرى مثلُ ما عُرض عليه في الأول، فقالت: (ادع الله أن يجعلني منهم) قال:"أنت من الأولين". ومما يظهرُ أن في هذا الحديثِ إشارةً إلى أنها سوفَ تُسْتَشْهَدُ في هذا الغزوِ الأولِ ولأجل هذا قال لها:"أنت من الأولين"ولم يَدْعُ لها أن يَجْعَلَها من الآخرينَ لأنها تكونُ قد اسْتُشْهِدَتْ وماتتْ في سبيل الله. وهذا الذي حَصَلَ فهي قد خرجتْ في غزوةِ البحرِ في زمنِ معاويةَ - رضي الله عنه - فطُرِحَتْ عن دابتها ـ أي سقطت ـ وكانت الدابةُ هي السببُ في صَرْعِها ـ أي سقوطها ـ حين خرجت من البحر فهلكت ـ أي ماتت ـ.

وسوف يأتي ما يدُلُّ على أن الذي يُقتَل أو يموتُ حتفَ أنفه بأي طريقةِ كانت وهو في سبيلِ الله فله أجرُ شهيدٍ، والله تعالى أعلم.

ـ تنبيه:

هنا اسْتِشْكالٌ يُطْرَحُ وهو: هلْ سُؤالُ اللهِ - عز وجل - الشهادةَ أو الدعاءُ بالشهادةِ يَسْتَلْزِمُ طلبَ نَصْرِ الكافرِ على المسلمِ وإعانةَ من يَعْصي اللهَ - عز وجل - على من يُطِيعُهُ؟

والجوابُ: ليسَ الأمرُ كذلكَ، والجهادُ لا شَكَّ أنه لا بُدَّ فيه من فَقْدٍ وخَسارةٍ من الطَّرَفَيْنِ ولكنَّ العاقبةَ تكونُ للمسلمين. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عندما رأى الشهداءَ في أحدٍ في منامِهِ قال:"رأيتُ بقرًا يُذبَحُ فقلتُ: بقرٌ واللهِ خيرٌ"، فكان تأويلُهُ بالشهداءِ الذين قُتلوا يومَ أُحُدٍ، فحصولُ الشهادةِ لا يعني تمكينَ الكافرينَ، ولا يعني نصرَهم على المسلمينَ، وإنما هذا لا بُدَّ أن يكونَ كما قال اللهُ - عز وجل: ... فهذه سنةُ الله.

ولأجلِ ذلك يجبُ على المسلم في وقتنا الحالي أن لا يَظُنَّ أن هولَ المصائبِ على المجاهدينَ في أفغانستانَ أو المجاهدينَ في العراقِ أو في فلسطينَ إنما هو نصرٌ للكافرينَ، لا بلْ هو كرامةٌ وشهادةٌ لمن قُتِلَ من المسلمينَ وهو يريدُ وجهَ الله - عز وجل - كما ذكرنا، وهي منزلةٌ وشهادةٌ وخيرٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت