فهرس الكتاب
فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُظهِرُ العذرَ الذي لأجله لم يخرجْ في جميعِ مواقفِ القتال التي حصلَ فيها قتالٌ لأعداءِ الله - عز وجل -.
وكما تعلمون (الغزوة) اصطلاحٌ لما خرج فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه، وأما السريةُ فالمرادُ منها البعثُ الذي يبعثه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يخرجُ فيه. وهذا الحديثُ يشير إلى ذلك فإن فيه (ما تخلفتُ عن سريةٍ تغزو في سبيل الله)
والسببُ في تَخُلَّفه - صلى الله عليه وسلم - عن بعض السرايا بَيَّنه بأنه يَشعرُ أنه لو خرج سوف يتأثَّرُ كثيرٌ من المسلمين لأنهم كانوا يُحِبون التضحيةَ في سبيلِ الله - عز وجل - ويحبون صحبةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه المشاهدِ العظيمةِ الذي يَبذلُ المسلمُ فيها نفسَه ابتغاءَ وجهِ الله - عز وجل - ورَفعًا لرايةِ لا إله إلا اللهُ ودَحْرًا للكفر.
فيقول: إن هؤلاءَ الرجالِ من المؤمنينَ لا تطيبُ أنفسُهُم أن يتخلفوا عني، وبالتالي سوف يَطلبونَ منه - صلى الله عليه وسلم - أن يكونوا معه في كل مشهدٍ يشهَدُه، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لديهِ السعةُ أن يحمِلَهم جميعًا فليس لديه العُدّةُ الكافيةُ لكل المسلمين كلما أرادَ أن يخرجَ إلى القتالِ في سبيلِ الله.
وهذا الحديثُ استَدَلَّ بِه من يَرى أن الجهادَ فرضُ كفايةٍ. وهو القولُ الراجحُ في جهادِ الطَّلَبِ كما بَيّنا ولكن هذا الحديثُ ليسَ صريحًا في ذلك؛ لأن فيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يخرُجْ هو ومن جَلَسَ من هؤلاءِ إلا للعُذْرِ. والحديثُ عن الجهادِ وفرضِيَّتِه معلومٌ أنه يُستثنى منه أصحابُ الأعذارِ، فليسَ في هذا الحديثِ دليلٌ على أن الجهادَ فرضُ كفايةٍ.
قوله بعد ذلك (والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل) ؛ نلاحظُ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَتَمَ بالقتلِ لأنه لا يريدُ بالإحياءِ في هذه المراتِ إلا أن ينالَ أجرَ الشهيدِ أكثرَ من مرةٍ. فسبحانَ الله! نبيُّ الله - عز وجل - وخيرُ الخلق إنما يحرصُ على أن يكونَ شهيدًا في سبيل الله وليس مرةً واحدةً بل مراتٍ ومراتٍ، فهذا دليلٌ عظيمٌ على فضلِ الشهادةِ في سبيلِ الله، وهو دليلٌ أيضاَ على الحرصِ على الجهادِ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أصحابِه الكرامِ الذين تأسَّوْا به وعرفوا قدرَ الجهادِ في سبيل الله - عز وجل -.
ـ استشكال: كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمنى أن يقتل، والله - عز وجل - يقول: ... ؟
وجَّه ذلك بعضُ الشُّرّاح بأمورٍ عليها ملاحظات:
فمنهم من يقول: هذا قبلَ نزولِ الآية. ولكنَّ أبا هريرةَ أسلمَ بعد نزولِ هذه الآيةِ وهو قد سَمِعَ هذا الحديثَ من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والجوابُ الذي ذهب إليه الحافظُ ابن حَجَرَ رحمه الله: أن المرادَ التمني، والتمني لا يعني الحصولَ، وهذا كثيرٌ ومتكررٌ.