فهرس الكتاب
وأقول: هناكَ توجيهٌ أولى من هذا التوجيهِ؛ وهو أن العَصْمةَ التي يَعْصِمُهُ اللهُ - عز وجل - بها من الناسِ إنما هي لحينِ أن يؤديَ البلاغَ، وليست العصمةُ التي ذكرَها اللهُ - عز وجل - في هذه الآيةِ عصمةً دائمةً، بمعنى أن لا يَصِلُ القتلُ إليه - صلى الله عليه وسلم -.
والدليلُ على هذا التوجيهِ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كتبَ الله له أجرَ الشهادةِ مع أجرِ النبوةِ العالي الذي هو في أعلى الدرجاتِ؛ فقد قُتِلَ - صلى الله عليه وسلم - ومات مسمومًا من أَثَرِ الشاةِ التي سُمَّ بها في خيبر، ولعلنا نتعرضُ لهذا فلا أدري هل يأتي في أثناءِ هذا الكتابِ أم لا؟ ولكن هذا باختصار، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ماتَ كما في هذا الكتاب في الصحيح قال:"ما زلتُ أجدُ أثرَ السُّمَ الذي أكلتُه في خيبر، وهذا أوانُ انقطاعِ أبهري"، فهذا دليلٌ على أنه - صلى الله عليه وسلم - ماتَ من أثرِ السم، والله تعالى أعلم.
ثم في الحديثِ الآخر حديث أنسٍ قال (خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"أخذ الراية زيد .. ) فهذا الحديثُ في غزوةِ مؤتة، أو بالمعنى الأصح في سرية مؤتة؛ فإن فيها أن زيدًا - رضي الله عنه - أخذ الراية فأصيبَ، يعني: قُتِل في سبيل الله، ثم أخذها جعفرٌ فأصيب، أي: قُتل أيضًا في سبيل الله، ثم أخذها عبدُ الله بنُ رواحة وكان قد تأخر قليلًا عنهما فأخذها فأصيب أيضًا وقتل في سبيل الله، ثم أخذها خالدُ بنُ الوليد ففَتَحَ اللهُ - عز وجل - عليه."
والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد أَوْصى أصحابَه أنه إذا قُتل فلانٌ فالرايةُ لفلانٍ حتى وصلَ إلى عبدِ الله بنِ رواحة، وأرادَ الله أن يُقتلَ الأمراءُ الثلاثةُ فأخذها خالدُ بنُ والوليدِ من غير إمرةٍ، لأنه لا بدَّ من تأميرِ أميرٍ للقتالِ حتى ولو لم يكنْ مُؤَمّرًا من قِبَلِ ولي الأمرِ، وهذه نقطةٌ أساسيةٌ؛ أنه لا بدَّ في الجهادِ أن يكون هناك أميرٌ يقاتَل تحتَه؛ لأن هذا الأميرَ يُنَظّم أمورَ الغزوِ ويُسْمَعُ له ويُرَتبُ حسب الأولوياتِ والحاجياتِ والمواقفِ التي يتعرض لها الجيشُ. فهذه المسألةُ متفق عليها: لا بد من تأميرِ أمير ٍولو كان من غير إمرةٍ شرعيةٍ أو من غيرِ ولايةِ وليِّ الأمرِ.
وفي الحديث (ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففُتِح له) بعد مقتلِ الأمراءِ الثلاثةِ أخذَ الرايةَ خالدُ بنُ الوليدِ، وهذا إقرارٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأميرِ مَنْ لم يؤمِرْهُ وليُّ الأمرِ طالما أن الحاجةَ تُدَللُ على ذلك.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم - (ما يسرنا أنهم عندنا) وذلك لأنه يعلمُ المنزلةَ العاليةَ التي نالوها بالشهادة.
وقال أيوب (قال أيوب: أو قال:"ما يسرهم أنهم عندنا) ، يعني: شكَّ أيوبٌ هل قال ذلك أم قال (ما يسرهم أنهم عندنا) ، وهذا أيضًا لأنهم رأَوْا المنزلةَ العاليةَ التي عندَ الله - عز وجل - والتي أعَدَّها لهم."
وكما تعلمون أن الشهيدَ له اثنتان وسبعونَ حوريةً يومَ القيامةِ، فأولُ ما يُقتل في سبيلِ الله فزوجتانِ منهنَّ تَبْتَدِرانه وهو بدمائِه في ساحةِ القتالِ.