فهرس الكتاب
وهذا الحديثُ بينا أنه يدللُ على أن الذي يُقتل في سبيل الله والذي يموتُ وهو في أثناء الجهادِ كلاهما يُعتبر شهيدًا، وقد ثبتَ ذلك في حديثٍ عند مسلمٍ أن من قُتل في سبيل الله أو مات فهو شهيدٌ في سبيل الله. وجاء ذلك أيضًا في أحاديثَ أخرى، فمن ذلك:
ما جاء أيضًا أن من صُرِع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيدٌ. ولكنَّ هذا الحديثَ ليسَ على شرطِ الإمامِ البخاري فلم يخرجْه في الصحيحِ وأشارَ إليه بهذه الترجمة. والحديثُ صريحٌ في ذلك؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ أن أمَّ حرامٍ مثل هؤلاء، وهؤلاء كان منهم الشهداءُ الذين قُتلوا في ساحةِ المعركةِ، فهي بنفس منزلَتِهم لأنها قالت (ادع الله أن يجعلني منهم) فكونُها من الملوكِ على الأسرة وهذه المنزلةُ هي منزلةُ الذين خَرجوا في هذه الغزوةِ واستشهدوا في سبيل الله فهي كذلك لها نفسُ الأجر. وقد تبين أنها لم تقتلْ قتلًا وإنما صرعتها الدابةُ.
والمرادُ أن الذي يخرجُ في سبيلِ الله مجاهدًا فإنه يَغْنَم وينتظرُ الأجرَ من الله حتى وإن وافَتْه منيتُه من غيرِ قتلٍ وإنما أصابَه الموتُ بأي طريقةٍ كانت حتفَ أنفِهِ فهو مأجورٌ كما لو قُتل في سبيل الله لفضيلةِ الجهادِ، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب من ينكب في سبيل الله
18 ـ حدثنا حفصُ بنُ عُمَرَ، حدثنا همامٌ، عن إسحاقَ، عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال:"بَعَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أقوامًا من بني سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ في سبعينَ، فلما قَدِموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمَّنوني حتى أبَلَّغَهم عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا كنتم مني قريبًا. فتقدم فأمّنوه، فبينما يُحَدِّثهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أومَؤوا إلى رجلٍ منهم فطعنَه فأَنْفَذَه، فقال: اللهُ أكبرُ، فُزْتُ وربِّ الكعبة. ثم مالُوا على بقيةِ أصحابه فقتلوهم إلا رجلٌ أعرجٌ صعدَ الجبلَ، قال همامٌ: وأُراه أخرَ معه. فأخبر جبريلُ عليه السلام النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد لَقُوا ربَّهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نَقرأ أن بَلِّغوا قومَنا أن قد لقينا ربَّنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نُسِخ بعدُ، فدعا عليهم أربعينَ صباحًا، على رِعْلٍٍ وذكوانَ وبني لِحيان وبني عُصية الذين عَصَوُا اللهَ ورسولَه".
19 ـ حدثنا موسى بنُ إسماعيل، حدثنا أبو عوانةَ، عن الأسودِ هو ابنُ قيسٍ، عن جُنْدُبِ بنِ سفيانَ"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض المشاهد قد دميت إصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت".
هذا البابُ يتكلمُ فيه الإمامُ البخاريُّ على من يُنْكَبُ في سبيل الله. (وينكب) أي: يصيبُه شيء فيدميه وهو دونَ القتلِ، وقد يؤدي إلى القتل.
النفذةُ: هي الإصابةُ التي يحصلُ منها إدماءٌ للعضوِ.