فهرس الكتاب
فالحديثُ على من يُنكَبُ في سبيلِ الله، أي: يُصابُ إصابةً بحجرِ أو نحوِه فتسببَ ذلك في خروجِ دمِه
وذكر فيه حديثًا عظيمًا وهو حديثُ القُرّاءِ الذين قُتلوا غَدْرًا وتأثَّر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لقتلِهم تأثرًا عظيمًا ومكثَ أربعينَ ليلةً يدعو فيها على من قتلهم، يقنتُ في صلواته عليهم ويُؤمِّن المسلمون وراءه - صلى الله عليه وسلم -
وهذه القصةُ طويلةٌ، والشاهدُ فيها هو ما حصلَ لخالِ أنسٍ رضي الله عنهما عندما طعنَه هذا الرجلُ المشركُ فأَنْفَذَهُ، فلما رأى الدمَ قال (الله أكبر، فزت ورب الكعبة) فالشاهدُ هنا: كيف قال اللهُ أكبرُ فزت وربِّ الكعبةِ وقد رأى الدمَ يخرج منه؟ وذلك لأنه نُكِبَ نكبةً في سبيل الله - عز وجل -. فهذه الإصابةُ إنما هي نوعٌ من النكبةِ، فلما رأى الدمَ ونظرَ في نفسه لعلَّ ذلك يكون سببًا في شهادته، فقال: (الله أكبر فزت ورب الكعبة) .
وقد كانت هذه الحادثةُ سببًا في إسلامِ أحدِ هؤلاءِ المشركين كما ذكر ذلك ابنُ إسحاق في السيرةِ فإنه قال: إن ذلك مما دعاه للإسلام عندما رأى الدم يخرج من الرجل وهو يقول: فزت ورب الكعبة، قال: أي فوزٍ وقد قتلتُ الرجلَ؟
فانظروا هداكم الله كيف كان الصحابةُ في أعلى درجاتِ اليقينِ وفي أعلى درجاتِ الاتباعِ وفي أعلى درجاتِ التضحية بالنفس في سبيل الله - عز وجل -.
فالرجلُ يرى الدمَ يتفجرُ منه وهو فَرِحٌ مسرورٌ يقول: فزت ورب الكعبة في هذه اللحظةِ العصيبة. هذا هو الإيمانُ الحقيقيُّ يا إخوان، وهذه هي المنزلةُ العظيمةُ التي جعلها الله - عز وجل - لمن يُصابُ ولو إصابةً يسيرةً في سبيله جل وعلا.
والقصةُ باختصارٍ أن أقوامًا من بني سُلَيم أتَوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلبوا منه أناسًا يعلمونهم الدينَ ويذهبوا بهم إلى بني عامر، فأرسلَ لهم سبعينَ رجلًا فغدروا بهم وقتلوهم في الطريق.
يقول: جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقرآنٍ كان يتلى، وهذا من المنسوخِ من القرآن تلاوةً مع بقاءِ الحكم؛ فإن المنسوخَ ثلاثةُ أنواعٍ:
منه منسوخُ التلاوةِ منسوخُ الحكمِ.
ومنه منسوخُ التلاوة باقي الحكم.
ومنه منسوخُ الحكمِ باقي التلاوةِ.
فهذا النوعُ من منسوخِ التلاوةِ مع بقاءِ الحكمِ. فكان الصحابةُ رضي الله عنهم يقرأون هذه على أنها من كتابِ الله - عز وجل - (بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ثم نُسِخَ ذلك بعدُ من التلاوةِ وبقي الحكمُ، وهو أن الله - عز وجل - رضي عمن قُتل في سبيله وأرادَ بذلك وجهَ الله - عز وجل -.