فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 160

يقول (فدعا عليهم أربعين صباحًا، على رعلٍ وذكوان وبني لحيان وبني عصية) وهذه القبائلُ الأربعةُ من بني سُليم الذين عَصَوْا اللهَ ورسولَه وقتلوا هؤلاء القراءِ وأعطاهم الله ما يستحقون.

ونُعَرِّجُ هنا على نقطةٍ وهي قضيةُ القنوت:

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أولًا قنت هنا أربعينَ صباحًا في صلاته يدعو دعاءً على هؤلاءِ مباشرةً، ونلاحظُ هنا أنه كان يُسمي من يدعو عليهم، وليس الأمرُ كما يذكره بعضُ الفضلاءِ من أهلِ العلم أنه لا يسمي من يدعا عليه وإنما يُدعا بدعاءٍ عام، وهذا بخلافِ السنة. ولكن لعلَّ ذلك من بابِ درءِ شيءٍ من المفسدةِ في نَظَرِ من رأى ذلك.

والسنةُ أن يُسَمي من يدعو عليهم، وأن يركزَ الدعاءِ على هؤلاءِ الذين يدعو عليهم، ولا يطيلُ في قنوته بأكثرَ من أن يدعُوَ على الكفار بتعيينهم، ولا حرجَ بأن يدعوَ على المجموعِ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية، ولا شكَّ أن هذه القبائلَ الأربعةَ ليسوا جميعًا قد قتلوا القراءَ وإنما الذين قتلوهم بعضُ هؤلاء، فالدعاءُ عليهم المراد منه الدعاء على من ظلموا منهم. فمثلًا نحن الآن عندما ندعو فنقول: اللهم عليك بأمريكا لا نعني بذلك المسلمينَ الذين بأمريكا، ولا نعني بذلك المسالمين الذين لا دَخْلَ لهم بالحرب، ولا نعني بذلك الأطفالَ، وهكذا.

كذلك إذا دَعَوْنا على اليهودِ والنصارى لا نعني أن يُهلكَ الله كلَّ يهودي على وجهِ الأرض وكل نصراني على وجه الأرض، وإنما المرادُ الدعاءُ على من ظلَمَنا من هؤلاءِ وحاربَنا.

وهذه نقطةٌ مهمةٌ؛ لأن البعضَ يستشكلُ فيقول: كيف ندعو فنقول: اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم أهلكهم، اللهم دمرهم، وهذا لا يكون لأن اليهودَ يبقون إلى آخر الساعةِ وكذلك النصارى فكيف نطلب شيئًا لا يكون؟ والجواب أن الدعاءَ في هذه الحالِ إنما يرادُ به الدعاءَ على من ظلمنا منهم باعتبارِ الحالِ، وليس شرطًا أن نُحَدَّدَ ونعين. فكما قلنا: الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - هو تسميةُ هؤلاءِ وإن كان المقصودُ الذين اعتدَوْا منهم، وهذه هي السنة.

ثم إن القنوتَ أربعينَ ليلةً أو أربعينَ صباحًا كان يدعو فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوعِ، وكان يدعو هذه الأربعينَ ليس تحديدًا وإنما هذا الذي فعله، ويجوز أن يدعُوَ المسلمُ أقلَّ أو أكثرَ من ذلك، فليس في فعله - صلى الله عليه وسلم - الدليلُ على تحديدِ القنوتِ بهذه المدة.

ثم إن القنوتَ الثابتَ فيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعَلَه، فبعضُ أهلِ العلمِ أخذ من ذلك أن الذي يقنتُ وليُّ الأمرِ لأن الذي قنتَ هو رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وهناك من أهلِ العلم من قال: إن ذلك ليسَ بصحيحٍ، وإنما أَمْرُ القنوتِ موكولٌ إلى كلِّ إمامٍ فيمكنه أن يقنتَ اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قنت أبو هريرةَ وقنت خالدُ بنُ الوليدِ وليسوا بولاةِ أمرٍ للمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت