فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 160

وعل كل حال، لعلنا نتكلمُ في هذه المسألةِ في باب آخرَ يتعلق بالقنوتِ، والله تعالى أعلم.

وأما الحديثُ الآخرُ الذي رواه جُندب بن سفيان ففيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض المشاهدِ قد دَمِيَتْ إصبعُه فقال - صلى الله عليه وسلم:"هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت".

الراجحُ في هذا أنه كان وهو في غارِ ثَوْرٍ في الهجرةِ مع أبي بكر - رضي الله عنه -، فقد عَثَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَرٍ فدميتْ إصبعُه فقال هذا البيت.

وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامًا موزونًا وإن كان بيتًا أو ما يقاربُ ذلك كالبيتينَ ونحوهما لا يعني أنه كان يقول الشعرَ وأنه شاعرٌ، فإن الذي يَقرُضُ بيتًا وبيتينِ ليس بشاعرٍ وإن تَيَسّرَ له ذلك، وإنما الشاعرُ هو الذي يستطيعُ أن يقرض القوافي الطويلةَ ويقولَ الأبياتِ الشعريةَ الكثيرة.

وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا يَسْتَقِلُّ ما أصابه في سبيل الله ويَعتبِرُ أن هذا أمرًا لا إشكالَ فيه أن يصابَ المسلمُ أو يُنكبَ في سبيل الله، وهذا هو الشاهدُ في هذا الحديث (باب من ينكب في سبيل الله) ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ممن نُكب في سبيل الله كما في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

قال البخاري رحمه الله:

باب من يجرح في سبيل الله - عز وجل -

20 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لا يُكلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله ـ والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله ـ إلا جاء يومَ القيامةِ واللونُ لونُ الدمِ، والريحُ ريحُ المِسْكِ".

باب قول الله - عز وجل: ... والحرب سجال.

21 ـ حدثنا يحيى بنُ بُكَير، حدثنا الليثُ قال: حدثني يونسٌ عن ابنِ شهابٍ عن عُبيد الله بن عبد الله أن عبدَ الله بنَ عباسٍ أخبره أن أبا سفيانَ بنَ حربِ أخبره أن"هرقلَ قال له: سألتُكَ كيف كان قتالُكم إياه، فزعَمْتَ أن الحربَ سجالٌ ودُوَلٌ، فكذلك الرسلُ تُبتلى ثم تكونُ لهم العاقبةُ"

قوله (باب من يجرح في سبيل الله - عز وجل -) أي: ما هو الأجرُ الذي يكون لمن يُجرح في سبيل الله، فذكر فيه حديثَ أبي هريرةَ وفيه قَسَمُ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قلنا إنه كان يُكثر منه، فقال (لا يُكلم أحد) والكَلْمُ: الجُرح، أي: لا يُجرَحُ أحدٌ في سبيل الله. ثم قال (والله أعلمُ بمن يكلم في سبيله) وهذا تنبيهٌ على الإخلاصِ كما قال (والله أعلم بمن يجاهد في سبيله) كما ذكرنا في بداية الدورة.

فالإخلاص شرطٌ في حصولِ الأجرِ في جميع الأعمال، لأن الله لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، ولأجل هذا قُلنا: إن العبرةَ في القتالِ بإخلاصِ الشخصِ نفسِه إذا كان يقاتلُ في سبيلِ إعلاء كلمةِ الله وهذه نيتُه التي يقاتِلُ من أجلِها فلا يضرُّه ما ترتَّبَ بعد ذلك على هذا القتالِ وخاصةً إذا كان الأمرُ في قتالِ الدفعِ كما هو الحالُ فيما نحن فيه الآن. فإن كان من يجاهدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت