فهرس الكتاب
في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ الله في الحال التي نعيشُها الآن فهو مأجورٌ وإن ماتَ فهو شهيدٌ بإذنِ الله تعالى.
الناسُ تحرِصُ على الأوسمةِ وتحرصُ على الرُّتَبِ، وتحرصَ على الترقياتِ والنياشينِ وما يدللُ على أنها قد بلغت المنازلَ العاليةَ، ولأجلِ ذلك فإن الله يُفرِدُ الشهداءَ بعلامةٍ مميزة لهم من دون سائرِ الناس فيأتون بجراحهم، فأي جرحٌ أتى به الشهيدُ يأتي ولونُ الدمِ ظاهرٌ عليه ومع ذلك يفوحُ منه ريحُ المسكِ، والله تعالى أعلم.
وأما الباب الثاني ففيه ذكر قول الله - عز وجل: ... وهذا خطابٌ للمشركينَ من بابَ بيان أن المسلمَ بين أمرينِ كريمين عظيمين وخيرين وفضلين من الله:
إما أن ينصرَه الله على الكافرينَ فهذا ما يريدُه المسلمُ وما يتمناه، وإما أن يُستشهدَ في سبيلَ الله وأن يُقتل بيد هؤلاء الأعداءِ، وهذا أيضًا ما يتمناه وما يرجوه. فهو بين أمرينِ حسنينِ وبين عاقبتينِ حُسْنيينِ والحمد لله.
ثم يقول (الحرب سجال) أي: دُوَلٌ. يعني: يومٌ لك ويومٌ عليك، وليس بالضرورةِ أن ينتصرَ المسلمُ دائمًا ولكن العاقبةَ للمتقين والعزةَ والنصرَ والتمكينَ لهم بفضلِ الله - عز وجل -، ولكن لا بدَّ من الصبرِ فقد قال الله - عز وجل: ... فهذا هو الذي سَنَّهُ الله - عز وجل - في هذه الحياةِ، فإذا أُصِبنا فلنصبرْ، وإذا قُتل المسلمُ فإنه في خيرٍ وبركةٍ، وإذا نصره الله فهو أيضًا في خير وبركة.
وقد ذكر في هذا الباب حديثَ أبي سفيانَ بنِ حربٍ الذي حصلَ له قبل أن يدخلَ في الإسلامِ؛ فإن هرقلَ كان رجلًا حذاء (أي: كان ينظر في النجوم) فعلم من دينه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد ظهرَ، ملكُ الختانِ، فقال: هل هناك أحدٌ من العربِ بأرضِكم؟ فذهب من أرسلهم فأتَوْا بأبي سفيانَ وكان لم يُسلِم، فأتى به وأتى بترجمان ليترجمَ بينه وبين الكلامِ وليعلم هل خرجَ فيهم النبيُّ أم لا؟ فعندما سأله كان أبو سفيان يُجيبُه بالصدقِ لأنه يخشى أن يؤَثِّر عليه الكذبُ، وهذا الحديثُ موجودٌ بطوله في أولِ صحيحِ الإمام البخاري. وكان من الأسئلةِ التي سأله إياها هرقلُ ملكُ الرومِ قال له: فسألتُك كيف كان قتالكم إياه؟ يعني: سألتك كيف كان الذي يحصُلُ بينكم في القتال؟ هل ينتصرُ دائمًا عليكم أم تنتصرونَ دائمًا عليه؟ فقال: الحربُ سجالٌ ودولٌ. يعني: أحيانًا يحصُل لنا الإدالةُ عليهم وأحيانًا هم الذين يدالون علينا، فقال له هرقل: كذلك الرسل. هذه علامةٌ من علاماتِ الرسل أنهم يُبَتَلُون هم وأصحابُهم ثم بعد ذلك تكون العاقبةُ لهم والنصر والتمكينُ لهم.