فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 160

وأن طلبَ الشهادةِ في الجهاد لا يتناوله النهيُ عن الإلقاءِ إلى التهلُكَةِ) على اعتبارِ عمومِ اللفظِ بالإلقاءِ إلى التهلكةِ طلب الشهادةِ وهو الاستشهادُ لا يتناوله هذا النهيُ، وهذا لا يكون إلا في مثلِ هذه الحالاتِ التي فيها غلبةُ الظنِّ أن يُقتَلَ الشخصُ وهو يعلمُ أنه سوف يُقتل، فكما قلنا الحكمُ بالنسبةِ للمنتحرِ سواءٌ إذا قتلَ نفسَه بنفسِه أو طلبَ من غيره أن يقتلَه، فهو في كلتا الحالتين منتحرٌ. وهذا سواءٌ قَتَلَ نفسَه بنفسه أو قتل نفسه بغيره فهو طالبٌ للشهادةِ.

أيضًا قصةٌ أحبُّ أن أضيفَها إلى كلامنا السابق في العمليات الاستشهادية، وهي القصةُ التي حكاها سلمةُ بنُ الأكوعِ مع عامرٍ، وهو عمٌّ لسلمة. ففي غزوةِ خيبرَ أراد عامرٌ أن يضربَ أحدَ المشركين فرجع السيفُ عليه فقطعَ أكحُلَه فمات، فقال بعضُ الصحابة: قتل عامر نفسه قد حبطَ عملُه، فجاء سلمةُ بنُ الأكوعِ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متأثرٌ فقال: يا رسول الله! قيل إن عامرًا قتَلَ نفسه فحبَط عملُه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من قالَ هذا"؟ قال: أصحابُك. قال:"كذبَ من قال هذا، بل له أجرُه مرتين". وفي هذا بيانٌ للنظرِ إلى كيفيةِ القتلِ وليستِ العبرةُ فقط بحصولِ القتل، فإن عامرًا أرادَ أن يضربَ الكافرَ فجاء السيفُ عليه فقتله، فلا يعتَبَرُ هذا قاتلًا لنفسِه، وإنما الذي يُعتبر قاتلًا لنفسه الذي ورد فيه الحديثُ الآخرُ حينما رآه الصحابةُ لا يترك شاذّة ولا فاذّة للكفارِ وأبلى بلاءً حسنًا، فقالوا: ما أبلى أحدٌ مثلَ فلان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"هو في النار"، فسمِعَه أحدُ الصحابةِ فقال: أنا صاحبُه، يعني: لنْ يتركَه حتى يعرفَ كيف مع هذا الجهادِ والبلاءِ يكون في النارِ، فيقولُ إنه أصيبَ واشتدَّتْ به الجراحُ فوضعَ نصلَ سيفِه بين ثَدْيَيْه واتَّكَأَ عليه فمات، فقال: صدق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء وأخبرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"إن الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ الجنة حتى لا يكونَ بينها وبينَه ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهلِ النار فيدخل النار". فهذا قد قَتَلَ نفسَه جَزَعًا وتخَلُّصًا من هذا الألمِ الذي يراه، وهذا دليلٌ على عدم إيمانِه وعدمِ صدقِ جهادِه في سبيلِ الله. والثاني وهو عامرٌ إنما جاءتْه الضربةُ من غيرِ قصدٍ منه أن يقتَل نفسَه، ولكن كانتْ النتيجةُ أن قتلَ نفسَه، فلا يؤاخذُ بذلك، وإنما ذكرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن الصحابةَ أخطأوا بهذا الفهم وقال:"كذبَ من قالَ ذلك، بل له أجران". فالمقصودُ النيةُ وليستِ العبرةُ بحصولِ القتلِ. فلا بدَّ من الفقهِ والفهمِ، والله تعالى أعلم.

يقول البخاري رحمه الله: (إن أختَه ـ وهي تسمى الرُّبَيِّعُ ـ كسرَتْ ثنيةَ امرأة) يعني: حصل بينها وبين امرأة شيءٌ من المنازعةِ والمضاربةِ، وهذا فيه أن الناسَ ولو بلغوا إلى أعلى الدرجاتِ في الفضلِ قد يحصُل منهم مثلُ هذه الأمور، فإن النفسَ البشريةَ ليست معصومةً. فيقول إن الربيع كسرت ثنية امرأةٍ عندما ضربَتْها، والثنايا هي الأسنانُ المتقدمةُ، فكسرت سنًا منها، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالقِصاص، والقصاصُ كما تعلمون هو فعلُ نفسِ الشيء الذي فعله الجاني، فكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت