فهرس الكتاب
تجعلُ العملَ مستويًا، وكما قلتُ لا فرقَ في الإثم بين من يقتلُ نفسَه بالرصاص أو يطلب من غيره أن يطلقَ عليه الرصاصَ ليقتلَه.
وهنا أيضًا نتعرضُ للحديثِ المشهورِ والقصةِ العجيبةِ التي ذكرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في مسألةِ أصحابِ الأخدودِ فإن الغلامَ الذي فَشِلَ الملكُ بقتله بمحاولاتٍ عدةٍ ثم بعد ذلك يَدُلّه الغلامُ على الطريقة التي يمكنُ أن يَقتُلَه بها ويعطيه سهمًا من سهامه ويقول له: إذا أردتَ أن تقتلني فافعلْ كذا وكذا وقل بسم الله ربِّ الغلام. فهذا لو فُعِل بغير المقصدِ الشرعي وهو أن يُسْلِمَ الناسُ وأن يصلَ بذلك إلى مقصده من هدايةِ الناس لما جازَ ذلك أبدًا؛ أن يَدُلَّ الشخصُ آخرَ على طريقةِ قتله وأن يُمَكِّنَه من ذلك. فالمقصدُ اعتُبِرَ هنا ولم يُعتبر ذلك من باب الانتحار وإنما هو من بابِ بذل النفسِ في سبيل الله - عز وجل -.
أيضًا؛ قتلُ النفس محرَّمٌ وقتل غيره أعظم، فإن المسلمَ إذا قتلَ نفسَه فإنه قد فعلَ إثمًا عظيمًا، وإذا قتلَ غيره فعلَ إثمًا عظيمًا بل هو أعظمُ. ولكنَّ أهلَ العلمِ يتفقون على جوازِ قتلِ المسلم إذا كان لذلك حاجةٌ ماسةٌ لهذا القتل كما في مسألةِ التترس؛ فإذا تَتَرّسَ الأعداءُ ببعض المسلمين جازَ عند أهل العلمِ أن يقتُلَ المسلمُ أخاه المسلمَ حتى يصلَ لهؤلاء الكافرين، ولا يَجعلْ حمايةَ شخصٍ أو شخصين أو ثلاثةٍ أو مائةٍ سببًا لاستباحةِ بلادِ المسلمين وتمكنِ الكفارِ منهم، فكذلك الذي يُفَجر نفسَه في المشركين إنما هو يفجر نفسًا لأجل النكايةِ في هؤلاءِ الأعداء، وهذا أقلُّ مستوى وأقل درجةٍ من مسألة التترسِ التي تَكَلّم فيها أهلُ العلم كثيرًا.
فهذه المسألةُ لأنها مسألةٌ الآن يدور حولَها الكلامُ أحببتُ أن أبينَ وجهةَ نظرِ الفريقين، ولا شكَّ أن الفريقَ الذي يرى أنها عملياتٌ انتحارية إنما نظر إلى الأصلِ وهو أن قتلَ المسلم لنفسه لا يجوزُ وحرامٌ، ولكنه لم يلتفتْ إلى النية، والنيةُ كما قدمنا لها حظٌ كبيرٌ في هذا الأمرِ، ثم إن الآثارَ الواردةَ في الحملِ على المشركين وفي غير ذلك تُقَوّي القولَ بأن هذه العمليات ليست عملياتٍ تُشبِه الانتحارَ بل هي أشبهُ بشراءِ النفسِ من الله - عز وجل -، وهذا ليس ترجيحًا لمسألةٍ على أخرى أو لقولٍ على آخرَ ولكن لتوضيحِ المسألةِ، والله تعالى أعلم.
وأُحِبُّ هنا أن أقرأَ عليكم كلماتٍ قليلةً ذكرها الحافظُ ابنُ حجر تعليقًا على هذا الحديثِ تشير إلى ما ذكرتُه الآن من وجهِ النظر التي تُدَلل على أن مثلَ هذه العملياتِ ليست أشبهَ بالانتحارِ بل هي أشبهُ بمن شرى نفسَه من الله. فيقول الحافظ رحمه الله:
(وفي قصةِ أنسِ بن النضرِ من الفوائدِ جوازُ بذلِ النفسِ في الجهادِ، وفضلُ الوفاء بالعهدِ ولو شقَّ على النفسِ حتى يصلَ إلى إهلاكِها) تأملوا هنا كلمة (حتى يصلَ إلى إهلاكها) ولم يقل (حتى يصل إلى هلاكها) ففيه بيانُ أنه أهلكَ نفسَه بانغماسِه في وسط المشركين، ثم يقول: (