فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 160

فيقول أنس: (كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ... إلى آخر الآية. لا شك في ذلك فإنه قد صدق ما عاهد الله عليه حيث قال(لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع) فكان كما قال ووفى بعهده - رضي الله عنه -.

وهذا الحديثُ يجرنا إلى مسألةٍ ذاتِ أهميةٍ بالغةٍ وقد كَثُرَ الحديثُ عنها، وهي من الأمورِ المستجدة التي جَدَّتْ في زماننا ولم تكن معروفةً في سابق العصور، وهي عن العمليات التي يُطلق عليها العمليات الاستشهادية أو ما يسميها البعض الانتحارية أو الفدائية ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن الأصحَّ أنها يطلَق عليها العمليات الاستشهادية حتى وإن لم يكنِ الفعلُ الذي فعله صاحبُها مشروعًا، فإن كثيرًا ممن يقوم بهذه العملياتِ إنما يقصد بذلك الاستشهادَ، فحتى وإن لم يُكتَبْ له ذلك أو لم يكن ذلك مشروعًا فإن إطلاقَ اسمِ العملياتِ الاستشهاديةِ لهذا المسمى إنما هو متعلقٌ بقصدِ الفاعل ولا يعني ذلك أنه يكون شهيدًا حقيقة، فقد يطلب الرجلُ الشهادةَ، فهذا استشهادٌ، ولا يُعطاها أو لا يؤتاها لموانعَ، فلا رابطَ بين صحة هذا العمل وبين إطلاقِ هذا المسمى عليها أنها عملياتٌ استشهاديةٌ، والعبرةُ بمراد الشخصِ منها.

هذا من حيثُ المسمّى، وأما من حيث المشروعية فاختلافُ أهلِ العلم في زمانِنا حولَ هذه العملياتِ مرجعُه إلى تأمُّلِ أمرٍ هام، وهو: هل هناكَ فرقٌ بينَ تعريضِ الشخصِ نفسَه للقتلِ بيدِ غيرِه وبين أن يَقتلَ هو نفسَه إذا كانت النتيجةُ واحدةً، فمثلًا إذا أرادَ شخصٌ أن ينتحرَ فتقدم إلى سيارةٍ تمشي بسرعةٍ فصدمَتْه هذه السيارةُ، فهل هو يستوي مع من أخذ سكينًا فطعن نفسه أو شرب سمًا أو خنق نفسه أو فجر نفسه ...

إذا كان الأمران متساويين فإن هذه العملياتِ تستوي مع هذا الفعلِ الذي ذكرناه الآن من فعل أنسِ بن النضر - رضي الله عنه - ومن فعلِ كثيرٍ من السلف الصالحِ الذين نزل فيهم قوله تعالى ... ، وقد توهم البعضُ أن هذا من إلقاءِ النفس إلى التهلكةِ فرد عليهم كبارُ الصحابة بأن هذا ليس بصحيح وأن الذي يحمِلُ على العدو ولو كان واحدًا وقد غلبَ على ظنه أنه سيُقتل لا محالةَ إنما باعَ نفسه لله - عز وجل - ولا يُعتبَر بذلك قاتلًا لنفسه.

ثم إن المقصدَ الذي يقصدُه من يفعل ذلك هل هو التخلصُ من الدنيا أو هو إرضاءُ الله - عز وجل - والنكايةُ في العدو؟ فرقٌ كبيرٌ في النية، فإن الله - عز وجل - يقول: ... ، فإذا كان القتلُ ليس من باب العدوانِ وليس من باب الظلمِ فليس ذلك مستويًا مع القتل الذي يكون لله - عز وجل -. فلا بدَّ من التفريقِ؛ لا يظن الظان أن هذا يشبِه الانتحارَ بل إن ذلك أشبهَ بالحملِ على العدو وإلقاءِ المسلم بنفسه تحتَ السيوف وهو يعلمُ أنه مقتولٌ لا محالةَ وقد ينجو، هذا هو الفارقُ الوحيدُ ولكن النيةَّ التي نواها ودخل بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت