فهرس الكتاب
(فلما كان يومُ أحد) ؛ كان هنا يسميها أهلُ العلم: كان التامة. يعني: وُجِدَ يومُ أحد وحصلَ يومُ أحد ليس لها خبرٌ. فلما كان يومُ أحد وانهزم المسلمون؛ وتعلمون ما حدث في يوم أحد ولا أريدُ أن نطيلَ في التفاصيل ـ حصل أن انشغلَ بعضُ المسلمين بجمع الغنائم ـ وهم الرماةُ الذين جعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجبل ـ فلما نزلوا وأخذَ المشركون منهم غرةً ورجعوا عليهم انهزم المسلمون وهرب منهم كثيرٌ. فلما رأى ذلك أنسُ بن النضر قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء) يعني: ما حصل من الفرارِ من بعضِ الصحابة لهولِ المفاجأة التي حصلت. ثم قال: (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء) يعني: المشركين، فتبرأ من فعلِ المشركين الذين جاءوا لحربِ الله ورسوله. (ثم تقدم) أي: أقدمَ على القتال وقد فَرَّ الناسُ ولم يبقَ إلا قلةٌ قليلة، فكان هو ممن صمد وألقى بنفسه في صفوف المشركين. وفي طريقِ تَقَدُّمه استقبلَه سعدُ بنُ معاذ فقال له: (يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر) يقول له: إني أريدُ الجنة، وأقسَمَ بربِّ النضرِ الذي هو أبوه أو ابنُه فإن له ابنًا يسمى النضر، فأقسم برب النضر يشير بذلك إلى معزته لوالده أو لولده، وهو يقسم بربه أنه يجدُ ريحَ الجنةِ دونَ أُحُد.
وهذا قد يحصلُ حقيقةً كرامةً من الله - عز وجل - لهؤلاءِ الرجال الصادقين، وقد يكون يعبر بذلك أنه قد نوى الاستشهادِ وسوف يغمس نفسَه في وسطِ صفوفِ العدوِّ لينالَ الشهادةَ فيصل إلى الجنة فكأنه يستشعر ريح الجنةِ من دونِ أحد.
نظر سعدٌ إليه عندما انغمسَ في صفوف المشركين، فيأتي سعد لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويصف هذا الموقفَ منه ويقول (فما استطعت يا رسول الله ما صنع) يعني: ما تمكنتُ أن أفعلَ مثلَ ماصنع بحالٍ من الأحوال لأن الذي فعله لا يستطيعُه أحد.
قال أنس ـ يعني بعد أن انقطعتْ المعركة وانتهت ـ (وجدنا به بضعًا وثمانين ضربة ... ) يعني: أنه قد غمس نفسه تمامًا في وسطِ السيوفِ والرماحِ، فيقول: وجدنا في جسده بضعًا وثمانينَ ضربةً ... وصلت إلى هذا العدد إما بالسيف وإما طعن بالرمح وإما رمية سهم رمي به، ووجدوه قد مَثَِّلَ به المشركون. (والمثلة) : ما يفعله القاتلُ في القتيلِ من جدعِ أنفٍ أو قطعِ أذنٍ أو نحوِ ذلك من تشويه.
يقول (فما عرفه أحد) لأن وجهَه قد تغيرَ بسبب المثلة، (إلا أختُه) عرفته أخته وكانت تسمى الرُّبَيِّع (ببنانه) عرفته ببَنانه أي: بأطرافِ أصابعه؛ لأن أصابعَه كانت جميلةً ـ هكذا يقال ـ وكانت تعرفُ ذلك منه فعرفته ببنانه.