فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 160

هذا العملُ لا يُحكَمُ عليه بغيرِ المشروعيةِ حتى نُثبِتَ ذلك، ونحن نقول: إن هذا العملَ مختلفٌ في مشروعيته، ومشروعيتُه متعلقةٌ بالنيةِ، يعني: إن كانت النيةُ صالحةً فهو مشروعٌ، وإن لم تكنِ النيةُ صالحةً فهو غيرُ مشروعٍ. إذًا، النقطةُ الأولى غيرُ معتبرةٍ بتاتًا.

والذين قالوا بمشروعيتِها من أهلِ العلمِ إنما قالوا: إذا كانت بنيةِ الجهادِ في سبيلِ الله وبيعِ النفسِ لله - عز وجل - فهي مشروعةٌ، وإذا كانت بنيةِ الخروجِ من الدنيا بُغْضًا للحياةِ أو عدمِ صبرٍ وجزعِ أو غير ذلك فهي غيرُ مشروعةٍ. إذًا النقطةُ الأولى لا تُعْتَبَرُ.

ثم يُقال: إذا كان القتلُ غيرَ مشروعٍ، فكيف يُقال إن قتلَ المسلمينَ في مسألةِ التترسِ مشروعٌ؟ إذا كانت النيةُ لا دَخْلَ لها في العملِ وفي بيان مشروعيتِه وعدم مشروعيته؛ فكيف يجوزُ أن أقتُلَ أخي المسلمَ إذا تَتَرَّسَ به العدوُّ؟ إنما جازَ ذلك لأجلِ الحالةِ والنيةِ التي حصلَتْ بهذا القتلِ، فأنا أقتلُ المتترَّسَ به حفاظًا على دماءِ المسلمينَ الآخرين. إذا النيةُ أصبحَ لها دورٌ كبيرٌ في ذاتِ العملِ، واختلَف من كونِه عملٌ غيرُ مشروعٍ إلى عملٍ مشروع.

أيضًا، أي من النقاطِ التي تُذكَرُ مسألةُ الغلامِ الذي دلَّ الملكَ على قتلِ نفسِه. هل دلالةُ الشخصِ لآخَرَ أن يقتلَه أمرٌ مشروعٌ؟ الأصلُ فيه أنه غيرُ مشروعٍ ولكن النيةّ أثرتْ فيه بغض النظر عن كثرةِ المؤمنين وغير ذلك فكل هذا لا علاقةَ له في أصلِ المسألةِ. المهم أن النيةَ أثَّرَتْ وجعلَتْ عملَ الغلامِ من أفضلِ الأعمالِ عند الله - عز وجل - حيث ضَحّى بنفسه في سبيلِ أَنْ آمنَ الناسُ.

ـ الحالاتُ الاستثنائيةُ لا يُقال بخصوصيتِها إلا بدليلٍ قاطعٍ على هذه الخصوصيةٍ، والأصلُ أن الحالةَ التي استُنبِطَ منها حكمٌ تكونُ شاملةً لكل ما يندرجُ تحتَ هذا الحكم. فلا يقاسُ عليها في غيرِها وإنما يقاسُ عليها في مثلها وما شابهها.

ـ بقِيَتْ نقطةٌ أريدُ أن ألفِتَ النظرَ إليها، وهي: هل هناك فرقٌ عند أهلِ العلمِ بينَ من يقتُلُ نفسَه وبين من يُعَرِّضُ نفسَه لمن يقتُلُه؟ الذي أعرفُه أنه في كلتا الحالتين يُعتبَر منتحرًا. فمثلًا: الذي يضعُ نفسَه تحتَ سيارةٍ مندفعةٍ مِثْلُه مثلُ من يضرِبُ نفسَه بطلقةِ رصاصٍ في رأسِهِ. في كلتا الحالتين منتحرٌ.

فمسألةُ التعرضِ وإلقاءِ النفسِ في وسطِ السيوفِ وتحتَ رماحِ الأعداءِ لا تختلفُ كثيرًا إلا مجردَ أن هذه فيها احتمالٌ ضئيلٌ للنجاةِ والأخرى ليس فيها احتمالٌ للنجاة. يعني: هناك احتمالٌ لهذا الذي رمى نفسه تحت السيارةِ أن السيارةَ يمكن أن تتجنبَه، ويمكن أن تصدمَه فلا يموتُ، ولكنه إذا ماتَ فهو قاتلٌ لنفسِه وكذلك الذي ضربَ نفسَه بالرصاصةِِ في رأسِهِ فهو ميتٌ لا محالةَ، وفي هذه الحالِ فهو يستوي تمامًا مع الذي رمى نفسَه تحتَ السيارةِ، مع أن الحالةَ الأولى يُحتمَلُ فيها أنه ينجو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت