فهرس الكتاب
ـ بقيتْ نقطةٌ أخيرةٌ أو قبلَ الأخيرةِ وهي: ما يترتَّبُ على ذلك؟
هذا راجعٌ لاجتهادِ الشخصِ ونيتِهِ، وكذلك الذي يرمي نفسَه في وسطِ العدوِ فيقاتِلُ حتى يُقتَلَ أو يَحمِلَ على العدوِّ قد لا يستفيدُ شيئًا ولا يقتلُ ولا رجلًا، ويُقتَلُ هو ويُمزَّقُ بسيوفِ الأعداءِ ولا يكونُ قد قتلَ منهم أحدًا إطلاقًا، فهذا نفسُ الأمرِ؛ الأولُ باتفاقِ السلفِ شَرَى نفسَه لله وهو من خيرِ الشهداءِ، فالقيدُ بالنظرِ إلى النتائجِ لا عبرةَ له ولا قيمةَ له إطلاقًا، فكذلك الذي يفجرُ نفسَه لو قُدِّرَ أنه لم يقتلْ أحدًا فيكفي أنه أفزَعَ العدوَّ وأرعبَهم كما حصلَ من هذا الذي حملَ عليهم، بل هذا الذي يُفجِّرُ نفسَه تأثيرُه أقوى بكثيرٍ جدًا من الذي يحملُ على العدوِ كما هو مشاهدٌ ومعلومٌ.
ـ يلتحقُ بهذه النقطةِ مسألةُ أنه يترتَّبُ على ذلك أنهم يَهْدِمونَ كثيرًا من البيوتِ ويقتلون كثيرًا من الناس، فنقول: لو أن هذا الشخصَ لم يقتلْ نفسَه بالمتفجراتِ وإنما أخذَ رشاشًا وأقدم على مغتصبَةٍ من مغتصباتِ اليهودِ وضربَهم وقتلَهم فسوف يفعلونَ نفسَ الأمرِ، فهل يُقالُ إن فعلَه هذا غيرُ مشروعٍ؟
عند بحثِ المسائلِ العلميةِ لا يُنظَر للملابساتِ الخارجيةِ، فالملابساتُ الخارجيةُ قائمةٌ في العملِ المتفقِ عليه والعملِ المختلفِ فيه، فالذي يقاتلُ بطريقةٍ متفقٍ عليها أيضًا اليهودُ يعاملونَه بنفس الأسلوبِ، ثم هذا العقابُ لا بدَّ منه، فلا يكون أبدًا الحلُّ أننا سوفَ نستسلمُ لأنهم يهدِمون بيوتَنا ويقتلون أفرادَنا، بالعكسِ هذا يجعلُنا نكثرُ مما نفعلُ لأن هذا الذي يفعلونه دليلٌ على تأثيرِ هذه العملياتِ تأثيرًا عظيمًا جدًا فيهم.
ـ بقيت النقطةُ الأخيرةُ وهي: هل شرعُ من قبلَنا شرعٌ لنا؟ فهذه مسألةٌ أصوليةٌ مختلفٌ فيها، والراجحُ فيها أن شرعَ من كان قبلَنا إذا ذُكِرَ بمدحٍ وثناءِ وما يُشبِهُ التقريرُ فهو شرعٌ لنا، هذا هو الصحيحُ، وقصةُ الغلامِ إنما ذكرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في معرضِ المدحِ والثناءِ والتقريرِ فليسَ في ذلك ما يجعلُها من الشرعِ الذي لا نأخَذَ به، وعلى كلِّ حالٍ إذا كان المسألةُ من المسائلِ الخلافيةِ فالخلافُ معتبَرٌ، ولا يُقالُ إن ذلكَ غيرُ مشروعٍ لأنَّ الخلافَ المعتبرَ له وجهةٌ والحمد لله.
وأما كونُ الغلامِ كان نبيًا أم لا؟ فالصوابُ أنه ليس بنبيٍّ لأنه لم يَرِدْ نصٌّ يثبت ذلك وإنما هو غلامٌ صغيرٌ تعلَّمَ السحرَ أولًا ثم تعلم من الراهبِ وأصبحَ من أولياءِ الله الصالحين، ففِعْلُه من بابِ الكراماتِ وليس من بابِ النبوة.
وأما كونُه كان مُتَّصِلًا بنبيٍّ فلم يردِ قطُّ أيضًا ما يُدلِّلُ على ذلك، ولكن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنه كان يكونُ في كلِّ أمةٍ محدَّثون، وإن كان في أمتي أحدٌ فعمرُ"، فكان عمرُ - رضي الله عنه - مشهورًا بالفراسَةِ وكان يتكلَّمُ بالشيء فيوافقُه القرآن، فهذا الغلامُ تعلمَ العلمَ، وكان هذا العلمُ كرامةً له ورفَعَه إلى منزلةٍ يحصلُ له فيها شيءٌ من الإلهامِ من الله - عز وجل - ليسَ على سبيلِ النبوةِ ولا الرسالةِ وإنما على سبيلِ